لقاء حواري مع الأخ الكريم حسن الأفندي

كتبهاحسن الأفندي ، في 7 أغسطس 2009 الساعة: 12:52 م

 

 
 
 
 

*
لقاء حواري مع الأخ الكريم
حسن الأفندي

*
علـــمـتـنيالحـــيـــاة ألا أغـــالـي
فـــالمـغـــالاة شـــيـــمـةالأنـــذال
*
علمتــــني الحــيـــاة ما مـن تـراخٍ
رغــــم أن الحــــــيــاة دارُزوال
*
علمتني الحـــــياة مــــن يتمـــادى
فى ضلال أصاب ســـوءضـلال
"عَلَّمَتْنِي الْحَيَاةُ"
شعر
حسن الأفندي
* حاوره :

د. عبدالفتاح أفكوح - أبو شامةالمغربي
aghanime@hotmail.com
قبل أن أبسط أسئلتي الحوارية شامات على جبين هذه الصفحة المربديةالمشرق، أستهل علامات استفهامي بالحروف التمهيديةالتالية:
بعد إهدائك حروف هذه الدعوة إلى هذا اللقاء الحواري، وقبل أن أرسلأسئلة هذا اللقاء محلقة بأريج زهرها الباسم، وشذا ورودها السنية في أرجاء هذاالرياض المربدي البهيج السني، أستهل هذا المقام الحواري الأزهري بالبدءالتالي:
للحرف العربي العتيق نبضجميل
لهذا الكائن اللغوي الحي أصوات، وأصداء، ونبرأصيل ثم كيف بألق الخيال؟وكيف بطعم الواقع؟
أحقا لن تفيد الكلمات المخطوطة والمسموعة في شيء يسير أو كثير؟
وكيف بالإنسان إذ يسير في ركاب الحق والخير، وقد نأى بنفسه بعيدا عن الباطل والشر، وتبرأ من شرورأهوائه ومن متاهات العبث، ومن كل أمر هزيل؟
ثم كيف بحال المرء إذ يسعى وحيدا في القيظ، يمشي ويمشي ثم يمشي غريباً لا يريد إلا الإصلاح ما استطاع إليه سبيلا،وينادي بكلماته وبأعلى صوته في قومه الرحيل الرحيل؟
*
وبعد
جميل ما قرأته لك أخي الكريم حسن من نبضات شعرية صادقة
جميل جداً ما رأيته في عيون حروفك من سناء وبهاء
جميل حقاً ما تخطه وتحرص من خلاله على إشراك أهل المربد الزاهر في النفاذ إلى جوهره بالقراءة
تعليق على مقدمتك قبل البدء على الإجابة على الأسئلة وما قبل الأسئلة :
لابد من التأكيد على أنني طالعتها لعشرين مرة , فأحسست بانبهار بما تضمنته من رفيع المعاني وعظمة الكلمة المعبرة , ولا أخفيك سرا أنني تهيبت وأنا أقرأها ويزداد تهيبي بإعادة مطالعتها , فكيف يتسنى لشاعر فقير مثلي أن يصل إلى مثل هذه الذروة فى إجاباته , خاصة وأن العمل الإداري الذي وجدت نفسي مقحما فيه منذ سنة ست وسبعين وتسعمائة وألف , قد أثر كثيرا على أسلوبي , وأنت من تدرك تماما معنى الخطاب الإداري , كما أن ما عشته منذ بداياتي الأولى من حياة قاسية وطفولة لم تعرف معنى الترف ولا حتى الكفاية , كان لها تأثيرها التكويني الغليظ إلى حد كبير ,انعكس على كتابابتي جفاء وجفافا وتصحرا , ولعل أحد فصول كتبي (دنيا الخوف) قد تعرض لتلك الظروف التي أحاطت بطفولتي , فتركتني ممتلئا خوفا حتى من العوامل الطبيعية الموسمية إلى السفر بالطائرة وأزيزها المرعب , رغم أن الاغتراب قد جعل مني ذلك العاطفي البكّاء , إلا أنه لم يفلح فى صقل مواهب البداوة والحرمان والشدة والمعاناة التى نشأت عليها وترعرعت.
سؤال قبل الأسئلة    
إذا سأل أهل المربد الأزاهر: من هوحسن الأفندي جملة وتفصيلا، فبما عساك تجيبهم شعراًونثراً؟    
أما النثر فلا غنى لي فيه وتمتلئ به المواقع , ولكني ومن رصيدي الشعري أقدم نفسي وعلى غير العادة التي جرت تتناول تاريخ ومكان الميلاد والمراحل الدراسية :   
·     الفقر ولّدني مشاعر ثورة    
               والموت أفحمها فلم تتدللِ 
·       خلّفت قلبي خلف كل جميلة
           وسهرت ليلي والجوى يكويني
·     أنا من نسل من ملكوا القوافي
           وجدي جندح من صلب حُجر
فقولي كلهُ شعر وغيري
            من الشعراء مفضوح بذكري
إذا جلس الرجال بذلت مالي
             وما حفظت يداي ببعض وفر
كأني عروة بن الورد فيها*
              وإن ظن الجميع فساد أمري
فإن أمدد يميني يوم ضيق
               لمحتاج يسر رضاه صدري
وإن تعجز ذراعي عن نوال
               أقام الحزن في قلبي وحِجري
*إشارة إلى بيته :
أفرّق جسمي فى جسوم كثيرة
             وأحسو قراح الماء والماء بارد
·     وما من عادتي ذم البرايا
               ولكــــن الخـــــبايا ذات قال
أجوّد ذم أعــــــدائي فإني
               على الأعدا أشد من النصال
خلقت لأركب الصعب المجافي
               فما عيش الوداعة من خصالي
ولم أملك كـــــنوز المال إني
                ملكـت كـــــنوز علم واختيال
وهـــــل كرّمت يوما ذا ثراء
                  وقـد ذلّت لذي علم عوالي
·     كفي يعاتبني يا شيخ إن رغبت
                 نفـسي مساعدة يثور يتهم
أني غدوت دنيئا في طبائعه
وكان كفي بفعل الخير يلتحم
·       ما طأطأت رأسي بقولة باطل  
                  أبدا ولم أنطق بغــير لساني  
·       أانساه هل فى ذاك رد جميله   
                 وذكرى بجيدي ألزمتني وفائيا 
فما صرفت عني الليالي خياله    
                وإن كان طبع الآدمي التناسيا  
أحاسيسنا ليست لنا بمدينة
                 نُســــيّرها أنى نشاء المناحيا  
هو الموت لغز غامض عز وصفه
                  لعلك بعد الموت تدرك خافيا  
ولهاجس الموت الذي لازمني قرأت كل ما كتب عن الحياة البرزخية وعالم الروح والجسم الأثيري وما يتصل بهذا أو ذاك من قريب أو بعيد, وصدق الجواهري عليه رحمة الله :
      على أني بأن يطوى غد طول السرى وجِل
· وشعري يزدحم بالكثير الذي يقدمني بصدق للقارئ الكريم , مما لا يتسع له الوقت والمقام وإن ملت إلى أبيات لها على الأقل الصدى الأقوى فى نفسي.       
سؤالي الأول      
كيف ترى اليوم من خلفوا أهل العربيةالقدماء؟تراهم أضاعوها واتبعوا ما لاترجى فائدته؟أم أنهم حفظوها وقدروها حق قدرها؟ثم كيف هو حال الشعر العربي المعاصر؟
كان العربي ذا حس فني عال وذوق أدبي مميز حقا, حتى إذا أخطأ أحدهم خطأ محتملا فى تلاوة قفلة آية قرآنية مثلا , يجد من يقول له : ليس هذا بقرآن ولا يمكن أن تكون الآية هكذا .
وأين مني الغداة نجد ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟    
وكنت أود الاكتفاء بقول لبيد :
            ذهب الذين يعاش في أكنافهم   
                    وبقيت فى خلف كجلد الأجرب  
ولكني أجد نفسي وإنصافا لبعض الأعمال هنا وهناك وبعض الأخوة أيضا هنا وهناك لابد من وقفة فيها شيء من التفصيل المختصر المفيد     .
فاللغة العربية تعاني من محنة في أهلها وبين ظهرانينهم , فأين لأهلها بالوقت للقراءة والمطالعة والمعرفة وهم يصرفون أوقاتهم فى الاستمتاع بفضائيات هدامة ,وألحان ومعان هابطة حتى وصل بنا الحال إلي         ( وبحبك يا حمار ) والعياذ بالله     , وذلك الذى غنى : بحب عمرو موسى وبكره شارون , ثم تساءل : إلا شارون دا شغال إيه ؟ لم يحافظ على العربية إلا القلة النادرة , وساءني أن تعقد ندوة على إحدى الفضائيات العربية للدفاع عن اللغة العربية والدعوة للمحافظة عليها , وإذا بمشارك منهم لا يميز بين اللُغويين (بضم اللام ) واللَغويين (بفتح اللام ), ناهيك عما يرد من أخطاء إملائية ونحوية على كل فضائية مما يزكم فعلا الأنوف ويجعل المرء في حيرة من أمره , واستمعت مرة لأحدهم من المشاهير الذين يملأون الفضائيات وله شهرة تطبق الآفاق ليقول : كان في العصر الأُموي !! وكأنه لا يعرف أنها من النسب المستثناة التي ترد فى مقدمات القواميس , إذ أن صحيحها هو العصر الأَموي بفتح الهمزة لا ضمها , وآخر ممن يديرون المسابقات الأدبية والثقافية يسأل عن بيت البوصيري الشهير : 
        أمن تذكر جيران بذي سلم   
                   مزجت دمعا جرى من مقلة بدم 
ويتحدث عنها بكل ثقة وجرأة وبوجود وزير الثقافة والإعلام ببلد الفضائية المضيفة بأن البيت من بحر الطويل لمجرد أنه نظر إلي ( أمن ) فتذكر فعو وأكمل على هذا, بينما طلاب المدارس يعرفون بأن القصيدة من بحر البسيط وبها خبن وأولها ( متفعلن) .والرجل دكتور وله شهرته بكل اسف .
رغم ذلك , فأنا أقر وأعترف بوجود فحول فى عالم اللغة والشعر , ولكن الإعلام لا يعطيهم حقهم ولا يتيح للأحياء منهم فرصة إفادة المستمع وكل منا يعلم أن الإعلام تحكمه العلاقات الشخصية والإنتماءات والاعتبارات السياسية وعدد غير قليل ممن يقومون على العمل والإدارة بالفضائيات هم أنفسهم لا يميزون بين الغث والسمين , كما أن ظاهرة ما يسمى بالشعر النبطي أو الشعبي , نشطت ولعبت دورا هداما فى مجال اللغة والشعر .     
أضف إلي ذلك معاول الهدم الأكثر إيلاما , الحداثيون فى غير معرفة ولا دراية , أنا لست ضد الحداثة ولا ضد التجديد , ولكني مع الذي يقوم أو تسنده أسس ومقومات ترقى بالعطاء وتجوِّده , فنزار قباني رحمه الله إن كتب بالعمودي أقنعك وإن كتب بشعر التفعيلة أقنعك وأطربك وكذلك شاعرنا السوداني المرحوم صلاح أحمد إبراهيم , أما أن يعتقد معظم الحداثيين أن التجديد هو التحلل من القافية والوزن وفهم الرمز على أنه الإفراط فى الغموض بحيث لا يفهم أحد مما قال شيئا بحجة أنه يكتب للنخبويين والصفوة !!!! فأمر غير مقبول ولا مهضوم , وأتحداهم أن أن يكون هؤلاء أنفسهم يفهمون معنى حقيقيا لما كتبوا !!! إن هي إلا عقد نفسية يتقيؤونها وإن هي إلا تبعية نفسية وأدبية للغرب الذي لا يعلمون عنه أنه تعلم عنا القافية وأخذ منا الكثير . بهم أحيانا أذكر الكيفية التي برزت بها للوجود لفظة ( رجعية ) كما يريها المازني , وكأن اللغة العربية أقفرت حتى راحوا يطلون علينا بألفاظ إنجليزية كالإنتلجنسيا مثلا وهم أيضا لا يعرفون أنها دخلت القاموس الإنجليزي بوساطة سواد الشعب وعاميته مثلما أصبح لفظ الخنفشار جزءا من القاموس العربي بفعل لعبة ومزاح أو قل مكيدة لأحدهم من أدعياء العالمين العارفين بكل اللغة العربية ومفرداتها :
       لقد عقدت محبتكم بقلبي       كما عقد الحليبَ الخنفشارُ
عموما أهدي لتلك الفئة من هردبيس ودردبيس وعلطبيس , قول الرفاعي عليه رحمة الله :
أيها الناطقون بالشعـر  حراً       ولكم بــه  دعـوة  طنانه
اسمعونا إن استطعتم قريضاً      لا حديث جالس في حانه
ليس شعراً وإنـما  هو شيء       فوقه الشعر رتبة ومكانـه
إنما الشعر ما  تدفـق  عذبـاً       في بنــاء  فأحكموا بنيانه
ليست الفكرة الجديـدة  تأبى     عرضها في جزالة ورصانه
 لا تحيطوا  تراثـنـا  بلهـيبٍ       في غد تكـره العيون دخانه
ومما يجدر ذكره أن العرب عرفواالرمز منذ القدم , لكنهم وظفوه بصورة راقية ترقى بالمعنى والأسلوب , وكثيرا ما أضرب مثلا بأبيات عوف بن محلم الشيباني عندما خاطب سمو الأمير محمد بن الطاهر :
        يا ابن الذي دان له المشرقان 
                    طرا وقـــد دان له المغربان
        إن الثمــانين وبلغــــــتها 
                قد أحوجت سمعي إلي ترجمان
       وأبدلــــتني بشطاط انحنا
               وكنت كالصعــــدة تحت السنان
        فـقـــــرباني بأبي أنتــما
                 إلي وطني قبل اصفرار البنان
فاصفرار البنان كناية عن الموت , وهذا هو الرمز.وخذ للرمز مثلا آخر هو قصيدة أبي فراس الحمداني لسيف الدولة :
        أراك عصي الدمع شيمتك الصبر
                  أما للهوى نهي عليك ولا أمر ؟         ألخ وتأمل …….
وأرجو ألا أكون قد أعطيت صورة قاتمة لما يجرى فى عالم اليوم , ولكني تحدثت عن السواد الأعظم ,إذ أنه هناك ومضات متميزة هنا وهناك فى كل قطر عربي ولا يختلف اثنان مثلا على الجواهري ولا على الكثيرين من شعراء متفرقين على عدد من البلدان العربية ,منهم من هو على قيد الحياة ومنهم من قضى نحبه ولم يجد من الإعلاميين المتخصصين في صناعة النجوم لتلميعهم وتقديمهم للمستمع العربي فلا أعتقد أن أحدا يعلم شيئا عن شعراء السودان الفحول الذين خطوا أروع وأعظم الأشعار , وهم كثر منهم أحمد محمد صالح والمحجوب وعبد الله عبد الرحمن وعبد الله البنا وعبد القادر إبراهيم تلودي وعبد الحميد العباسي وهلم جرجرة , معتقدا أنه حتى التيجاني يوسف بشير لم يعط حقه كما يجب , فقد ولد وعاش ومات فى نفس التاريخ والعمر والمرض مع أبي القاسم الشابي وكان فلتة شعرية وأدبية متعمقة وعظيمة ولولا جهود بعض الإخوة الكتاب المصريين الذين أصدروا ديوانه وكتبوا عنه كتابين يحللان رقة وجمال شاعر الجمال , ربما لم يكن ذكره ساريا عند النخبة العربية فقط حتى الآن !
 منوها بشدة إلي ما يشهده المغرب العربي من طفرة عظمى فى كافة مجالات الثقافة والأدب والشعر , مع اعتقادي بأن الشعراء الموريتانيين تقليديون إلي حد بعيد , بينما الشعر أنفاس وروح مع الإتيان بما هو مبتكر جذاب يهززك عند سماعه . فالشعر شعر وغير الشعر ليس بشعر حتى وإن طبل أصحابه وزمروا وإلى قيام الساعة.      
سؤالي الثاني     
هل بلغ النثر العربي اليوم بعضاً من ذروته قديماً؟ وهل أخذ المكانةاللائقة به في عالم الأدب الراهن؟
أية ذروة تعني ؟ وهل من الممكن ذلك ؟ فقط القلة ممن أثروه بما كتبوا وظلوا منارة علم ووعي وثقافة حتى ماتوا , وإذا كنا نتحدث عن عالم اليوم فباستثناء البروفيسور عبد الله الطيب عطر الله ثراه لا نجد إلا الندرة ممن يملكون ناصية اللغة والتبحر فى علومها وسيرها وأخبارها ومكنوناتها , ففاقد الشيء لا يعطيه ,       ومعظم كتابنا تجلس إليهم أو تلتقيهم عبر السماويات فتقول فى نفسك : خير لك أن تسمع بالأصمعي من أن تراه ! فعلمهم ليس راسخا كما كان الأولون وكما ظل عبد الله الطيب مثلا       . ولكني أكتب مستدركا أن للرواية والقصة العربية الحظ الأوفر في الجودة والإبداع فى العصر الحديث عامة فى مجال النثر من بعض الكتاب المعروفين والذين رحل عنا معظمهم وآخر راحليهم كان الطيب صالح يرحمه الله, وإن كنت أعتقد أن النثر غير مختصر على الرواية والقصة فقط .
سؤالي الثالث   
هل ثمة بالفعل أجناس نثرية وشعريةعربية، أم أنه الشعر والنثر وكفى؟
نعم , فالإنسان ذلك الكائن الحي المتفاعل مع من وما حوله له قدرة سلوكية تمكنه من اتخاذ مواقفومسالك مبتكرة لمواجهة واقعه وما يحيط به , وتفاعله وصراعه الدائم مع الواقع بكل أبعاده , ويرى الباحثون ومنهم الأستاذ صادق مجبل الموسوي الذي كتب مقالا مطولا عام 2005م وأتفق تماما مع ماذهب إليه وأكاد أجزم أنه كتب نفس ما كنت سأكتبه ونفس رؤيتي ولكن الرجل كفاني مؤونة الكتابة فى هذا الموضوع وأكتفي بتقديم أجزاء من مقالهالذي أحتفظ بنسخة منه ضمن مختاراتي :
أن الإنسان مرتبط أوثق ما يكون الارتباط بأربعة أبعاد في حياته ,
1 - ذاته الفردية وكيانه الخاص.
2 - جماعته الخاصة والعامة التي تتسع حتى تشمل الإنسانية عامة، بعد عشيرته ومجتمعه الوطني والقومي.
 3 - الطبيعة بكل ما تضمه من أحياء ومظاهر وخفايا وعناصر، لأن الطبيعة مكون جوهري لحياة الإنسان.
4 - ما وراء الطبيعة، إذ يتجاوز الإنسان المحسوس إلى ما فوق مدركاته المباشرة، وهو مدفوع أن ينظر إلى عوالم أخرى بحكم عواطفه وخياله وعقله، وما أتت به الأديان من عقائد وعبادات وتشريعات وتوجيهات سلوكية، خاصة الإسلام الذي هو آخر دين سماوي.
وإذا نظرنا بإمعان إلى هذه الأبعاد الأربعة التي تحكم حياة الإنسان، ولو بدت منفصلة، فإننا نجد بينها في العمق، ترابطا وتداخلا، وهناك بعد خامس مكمل للأبعاد الأربعة، يتجلى فيما فطر عليه الإنسان من تطلع مثالي يحدو به إلى توخي الأفضل ونشدان الأرقى في كل ما ينجزه.
إذا حاولنا أن نطبق ما سبق على أسباب وجود الأجناس الأدبية، وما قد يعتريها من تغير وتطور، وظهور بعض الأجناس واختفاء أخرى سنجد :
1 - كل ما يتعلق بذات المبدع، نشأت عنه الأجناس الأدبية التي يعبر بها عن تجاربه الخاصة وهمومه وأفراحه، وخبراته ومواقفه وتأملاته واختياراته، ومن هذه الأجناس: الشعر الغنائي بكل موضوعاته وأبوابه، ومنها الأجناس النثرية كالأخبار الشخصية والخطابة والوصايا والرحلة، والمقالة الذاتية، والسيرة الذاتية والخاطرة ( أنثروبولوجي)، وهذه الأجناس تتسم بالطابع الذاتي وهو العنصر البارز فيها ويتيح لها أن تنتمي إلى هذا النطاق.
2 - كل ما يهم الواقع الاجتماعي بكل نواحيه المختلفة مما هو خارج عن التجارب الشخصية للمبدع، ويهم الآخرين في تعاملهم وسلوكهم وتصرفاتهم، وكل ما يقع بينهم من صراع وتصالح وتوافق، بمعنى آخر كل ما يتعلق بالحياة العامة الجماعية في نطاق محلي ووطني وقومي أو إنساني، نشأت عن كل ذلك أجناس أدبية، منها الملحمة والمسرحية والقصة والرواية والمقالة الموضوعية والسيرة الغيرية وكل الأجناس التي يعبر بها المبدع عن الآخرين.
3 - نظرا لمكانة الطبيعة في حياة الإنسان فقد نشأ عن ذلك أدب الطبيعة بأصنافه، وهو يضاف إلى الجانب الذاتي أو يحسب على الجانب المحايد الذي نشأت عنه النظرة العلمية، والغالب أن يتماهى أدب الطبيعة مع أجناس أدبية خاصة دون غيرها مثل الرحلة، وهي رهينة بالسفر وما يتخلله من حركة وسكون وإقامة وظعن، فالرحلة على هذا الوجه مرتبطة بالمكان على اختلاف المواقع والمشاهد، وكذلك بالزمن، وتتجلى الطبيعة في الفضاء الروائي، وفي مقالة وصف الطبيعة أو في شعر الطبيعة.
4 - بما أن الإنسان مادة وروح، مزود بالقدرة على استشراق عوالم الغيب، بما أودع الله فيه من طاقات تمكنه من الخيال، وتتحكم فيه عواطفه وميوله، كما له طاقات فكرية، لم يترك مع ذلك لأهوائه أو لقدرته الإدراكية العقلية والحسية، التي مهما بلغت، فهي محدودة، رأفة من خالقه به أرسل إليه الرسل وأنزل وحيه من أجل إسعاده في دنياه وأخراه، وفي هذا النطاق نشأت أجناس أدبية كالابتهال والمواعظ وأدب الزهد وأجناس الأدب الصوفي وأدب الحياة الأخرى. وقد تمتزج هذه الأجناس بغيرها، إذ أن حياة المؤمن عامة لا تنفصل عن الجانب الغيبي سواء تعلق الأمر بأجناس الأدب الذاتي أو الغيري. وقد تسخر أجناس أدبية لخدمة العقيدة والشريعة الإلهية بمقاصدها النبيلة الدنيوية والأخروية. إننا حين نمعن النظر فيما تقدم عن حياة الإنسان نجدها وحدة لا تنفصل في العمق، وإن بدت منفصلة في الظاهر. فالحياة الفردية مرتبطة بالحياة الجماعية والفرد والجماعة مرتبطان بالطبيعة وبما وراء الطبيعة والحياة الدنيا لا تنفصل عن الحياة الأخرى.
يضاف إلى ما سبق أن حياة الإنسان الدنيوية محكومة بالزمن الماضي والحاضر والمستقبل، أما حياته الأخرى فهي أبدية. والأجناس الأدبية محكومة بهذا المقياس الزمني والمكاني أيضا. فهي إما أن تتحدث عن ماض أو حاضر أو مستقبل أو تمزج بين هذه الأزمنة غالبا.
أما البعد الخامس المشار إليه فيما تقدم والمتجلي في رغبة المبدع في بلوغ الكمال وتحقيق المثال، فهي التي تدفعه إلى بذل كل جهد لديه لتحسين أي عمل ينجزه. إن تطلعه إلى أن يكون عمله في أعلى درجات الإتقان والإجادة، ظاهرة ملازمة واضحة عبر العصور، إذ أن إنجازات الإنسان لم تكن أول الأمر إلا بدائية وساذجة ثم سارت في سلم الرقي استجابة لنزوع مثالي في أعماقه. إلا أن ذلك محكوم بمتطلبات كل عصر ومثله وقيمه الجمالية والفكرية والدينية، فالإبداع في مجال العمارة مثلا وصل إلى درجة عالية من الضخامة والفخامة في فترات، وفن النحت حقق الذروة كذلك لدى اليونان والرومان، وفن الملاحم بلغ مكانة مرموقة لدى هوميروس وكذلك الرسم حقق أروع مثال في عصر النهضة وما بعده، وهكذا..
إن كل إنجاز فني يبدأ ساذجا ثم يتولاه الإنسان عبر عصور بالصقل والإجادة وضروب التحسين، ثم قد تطرأ عوامل تدعو إلى اختفائه أو دمجه في فنون أخرى، وهكذا نجد أن الإنسان عبر مسيرته الحضارية قد تنبه، سواء تعلق الأمر بأجناس الأدب المختلفة أو بغيرها، إلى أن وسيلته لتحسين إبداعه هو فحص ما أنجزه ليقف على مكامن الإجادة أو القوة أو مماثلة غيره، وكذلك ليعرف مواطن الضعف والتقصير والنقص. فتولد عن كل ذلك ما صار يعرف بالنقد الأدبي أو الفني كما تولد عنه تاريخ الأدب وتسجيل حياة أعلامه وكل ما يتعلق بدراسة الأدب سواء تعلق الأمر بقضاياه أو اتجاهاته ومذاهبه وخصائصه الفنية.
بهذا التصور العام للعوامل المختلفة والحوافز النابعة من أبعاد نفسية واجتماعية معقدة ومتداخلة، ندرك من كل ذلك الأسباب الكامنة والفعالة التي أدت إلى ظهور الأجناس الأدبية وتعددها، ومن الميسر أن ندرك من خلال ذلك- أن هناك أجناسا يظهر بعضها لم يكن له وجود سابق، وبعضها يختفي بعد أن كان له حضور قوي، وبعضها يتغير ويظل حاضرا، فالمقامة لم تكن موجودة قبل العصر العباسي ثم طرأت عوامل شتى اجتماعية وثقافية يسرت ظهورها وأعقبت ذلك عوامل استجدت وعملت على اختفائها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الرحلة إلا أنها ظلت حية مع ما لحقها من تغيير في الأدب الحديث. وفي عصرنا يعلم الجميع ما انتاب المجتمعات العربية من يقظة، وما جد من نظم ومؤسسات وآليات، وما وقع من تغيير في بنيات هذه المجتمعات واتصالها بثقافات أخرى، فاقتضى ذلك كله ظهور المقالة والمسرحية والقصة والرواية مجاراة لواقع بعلاقاته وتطلعاته الجديدة وثقافته.
لحصر هذه القضية إجمالا يبدو أن هناك ثلاثة عوامل فعالة في ظهور واختفاء وتغيير الأجناس الأدبية:
1-متطلبات كل عصر وقضاياه المختلفة.
 2-التقاليد الفنية الموروثة والمستجدة.
 3-القدرات الإبداعية للمنشئين وما لديهم من عبقرية ومدى استيعابهم للموروث وما لهم من تطلعات.
ـ القضية الثانية التي تعد من صميم نظرية الأجناس الأدبية، هي التي تتضمن الإجابة عن السؤال الآتي: ما أسس تصنيف الأجناس الأدبية؟
لقد تعددت الإجابات واقتراحات الحلول، منذ أن أفضى أرسطو بإجابته التي بناها على فلسفته الخاصة بالفن، فحواها أن الفن محاكاة للطبيعة والإنسان، إلا أن هذه المحاكاة تختلف أداتها باختلاف الفنون، ويتميز الأدب عن غيره من الفنون باتخاذه اللغة أداة له، ثم نجده يصنف الأجناس الأدبية إلى ملحمة وتراجيديا وكوميديا (وكثيرا ما ينسب إليه التقسيم الثلاثي المعروف الملحمي والدرامي والغنائي ثم أضيف فيما بعد التعليمي).
وقد بنى هذا التقسيم على أساس الموضوع وطريقة استعمال اللغة وأساليبها وصيغها ووظائفها. جل النظريات التي تناولت قضية تصنيف الأدب إلى أجناس لا تخرج في تفسير وتمييز هذه الأجناس وتصنيفها، عن النظر إلى الموضوع أو المضمون أو الأساليب والصيغ والبنيات الداخلية أوالطول والقصر والهدف.
لبيان ذلك بصورة مجملة يبدو أن القصيدة الغزلية تختلف عن المادحة أو الهجائية، والرواية التاريخية غير الاجتماعية أو السياسية الحديثة، والمقالة السياسية تختلف عن الفلسفية، وهذا التصنيف داخل جنس معين، وقد نظر إلى الموضوع، كما أن القصيدة تختلف عن الرواية أو المقالة بالنظر إلى الأسلوب والصيغة ومثل ذلك يقال في حق المسرحية التي تتميز عن الخطبة باتخاذ الأولى أسلوب الحوار واعتماد الثانية على أسلوب الإقناع والحجة، بالإضافة إلى أن هناك غيابا للذات الفردية في المسرحية وحضورها في الخطبة، وقد يكون للطول والقصر دخل في التمييز بين الأجناس كعنصر شكلي بارز، بغض النظر عن المكونات الداخلية أو البنيات الأساسية، وبناء على هذا تتميز الأقصوصة أو القصة القصيرة عن الرواية، وتتميز الخاطرة عن المقالة بالمظهر نفسه.
جل الدارسين والنقاد الأجانب والعرب قد ارتكزوا في تصنيفهم الأجناس الأدبية على الأسس التي سبقت الإشارة إليها، ولكن نجد من المعاصرين من صار يهيمن على توجههم في هذا الصدد الاعتماد على البنيات والخصائص الأسلوبية أكثر من غيرها دون إهمال للأسس الأخرى من موضوع ووظيفة وطول وقصر، وعلى سبيل المثال نجد أن تودوروف Todorov ، وهو من أكثر المعاصرين تحمسا للخوض في نظرية الأجناس الأدبية، يعتد بالمقياس البنائي دون أن يتغاضى عن المعطيات التاريخية والمضمونية. وفي هذه القضية ظاهرتان: تداخل الأجناس وتطورها:
1 - تداخل الأجناس: إن أهم ما يحول دون تحديد أي جنس أدبي تحديدا صارما وحصر مفهومه حصرا دقيقا، هو ما للأجناس الأدبية من مرونة وما تتسم به من ظاهرة التداخل فيما بينها. هذه الظاهرة التي أضحت في النقد الحديث من الأمور المفروغ منها على عكس ما كان رائجا في النقد القديم من دعوى صفاء الأجناس.
لقد أقر بهذه الظاهرة جل من تناولوا نظرية الأجناس الأدبية من المعاصرين، ومن القصد في هذا المقام التذكير بما بين صنفي الأدب الرئيسيين -الشعر والنثر- من تداخل وربما لا يتميز أحدهما عن الآخر في حالات، إلا بعناصر غالبة في هذا أو ذاك، وقد دفع هذا التداخل بين الأجناس، إلى مناداة بندتو كروتشي (1866-1952) BENDETTO CROCE، بإلغاء تقسيم الأدب إلى أجناس وعد الأدب وحدة - مهما تنوعت صيغه وأساليبه وموضوعاته- وتعبيرا عن منشئه، فهو يقول: "لا تقولوا هذه ملحمة، وهذه غنائية أو هذه دراما، تلك تقسيمات مدرسية لشيء لا يمكن تقسيمه. إن الفن هو الغنائية أبدا، وقولوا إن شئتم هو ملحمة العاطفة ودراماها".
هذه دعوى لا سند لها من حال الأدب نفسه، ولم تكتسب تأييدا، ولم يسلم بها النقاد لما تتسم به من مغالاة.
مما يجدر ذكره هنا، أن النقاد والدارسين المعاصرين كثيرا ما يطلقون مصطلحات يتجاوزون بها تحديد الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه هذا النص أو ذاك، فيستعملون لذلك مثلا، الإنتاج الأدبي أو العمل الأدبي أو الأثر الأدبي وقد يستعيضون أيضا عن تسمية الجنس بالاقتصار على "النص" أو الخطاب "لأن التمرد على الحدود الموضوعة بين الأجناس الأدبية أدى إلى رواج واسع لمصطلحي النص والخطاب، لكون تسمية الأجناس الأدبية قاصرة عن تحديد الخصائص البنيوية للنصوص..".
مع ثورة المبدعين المعاصرين على الحدود الصارمة بين الأجناس الأدبية، فإن تجاوز قضية الأجناس لم يتم من لدن النقاد، وبهذا ما زال الأخذ بمبدأ الأجناس مع ما بينها من تداخل، أمرا قائما في الدراسة الأدبية.
2 - أما ظاهرة تطور الأجناس الأدبية، فهي مدركة بيسر. فلو تأملنا ما لحق الأدب العربي في أجناسه منذ العصر الجاهلي إلى عصرنا لتبين لنا ما طرأ عليه من تغييرات وتحولات في أجناسه، ويمكن ملاحظة ظاهرة التطور هذه، في عدة أوجه أساسية، هي:
1 - هناك أجناس تغيرت بنياتها.
2 - هناك أجناس طرأت، لم يكن لها وجود في عصر سابق، ثم صار لها حضور في عصر لاحق.
 3 - هناك أجناس اختفت بعد أن كان لها حضور.
إن القصيدة العربية قد أصابها من التغيير ما نعته الدارسون بالتجديد وبظهور أنماط شعرية كشعر الفكاهة والشعر السياسي والموشحات، وهناك أجناس لم تكن من تلك التي عرفت في الجاهلية كالرسالة التي ظلت تتطور وتتشكل في موضوعاتها وبنيتها وأسلوبها منذ صدر الإسلام مرورا بالعصر الأموي وما بعده إلى الآن، وكذلك ظهور المقالة والرحلة والمناظرات الثقافية..
لو حاولنا وضع لائحة للأجناس الأدبية التي عرفها الأدب العربي القديم ووازناها بما يوجد من أجناس في أدبنا الحديث لتبين لنا ذلك بيسر دون مزيد تفصيل.
في العصر الجاهلي هناك الشعر بأبوابه المعروفة حينئذ، وهناك في النثر الخطابة والأمثال وسجع الكهان والوصايا.
وفي صدر الإسلام والعصر الأموي يمكن أن نلاحظ ما طرأ من تغيير وتطور في الشعر كشعر الفتوح والشعر السياسي، وفي النثر تغيرت موضوعات الخطابة لتواكب متطلبات الحياة التي استجدت، إذ وجدت أوضاع اجتماعية وسياسية وما اقتضته الثقافة الإسلامية وقيمها فصار للشاعر والخطيب اهتمامات غير ما كان من قبل.
في العصر العباسي ازداد هذا التطور عمقا واتساعا وتجلى ذلك في أساليب الشعر وصوره وإيقاعه وبناء القصيدة وظهور أبواب جديدة. وفي النثر هناك أجناس طارئة مثل: الرسالة العلمية والأدبية والمقامة والرحلة والتوقيعات والمناظرات الثقافية، ومرايا الأمراء والتقاريظ وغيرها.
في عصرنا الحاضر تغير الشعر في موضوعاته وأساليبه وبناء القصيدة. فهناك موضوعات كشعر النضال الوطني والشعر الاجتماعي والشعر المسرحي والشعر الحر، وما صار يطلق عليه قصيدة النثر. وفي النثر: الرواية والمسرحية والسيرة الغيرية والذاتية والمقالة والخاطرة والرحلة.
نلاحظ أن هناك أجناسا قديمة ولكنها تطورت وأخرى طارئة، ومنها ما اختفى.
بهذا يتبين لنا - بما لا يدع مجالا للشك- أن ظاهرة تطور الأجناس الأدبية من الحقائق الراسخة وهي تنتظم ضمن نطاق أوسع، وهو تطور كل إنجازات الإنسان. فهو عبر مسيرته الحياتية يطور أدواته ووسائل عيشه، فأدواته البدائية ليست. هي أدواته اليوم، ولكنها في العمق - مع ما لحقها من تغيير- ما هي إلا تطوير لما سبق فالمشط والمحراث والأواني والألبسة وما استجد في كل عصر ما هو إلا سلسلة من التطور، ولهذا نجد تودوروف TODOROV يقول في الأجناس الأدبية الطارئة الجديدة: "من أين تأتي الأجناس؟ بكل بساطة تأتي من أجناس أدبية أخرى، والجنس الجديد هو دائما تحويل لجنس أو عدة أجناس أدبية قديمة عن طريق القلب أو الزخرفة أو التوليف".
ويمكن القول :
1 - إن الأجناس الأدبية لها وجود مستقل بحيث ينفرد كل جنس بمميزات خاصة مع وجود تشابه بين بعض الأجناس أحيانا مثل ما يوجد بين الأجناس الحيوانية.
2 - إن لكل جنس زمانه الخاص به يولد فيه وينمو ثم يموت، ثم ينشأ عن ذلك جنس آخر. فالأجناس الأدبية تتوالد كما هو حال الحيوانات، إلا أن اللاحقة أرقى من السابقة.
ولكني أختم الإجابة على السؤال بعد استعراض لآراء الباحثين والكاتبين , من أتفق مع وجهات نظرهم , بأن الإبداع دائما هو المحك مهما كان الجنس أو الغرض النثري أو الشعري وفي أي زمان ومكان .
سؤالي الرابع    
ما حقيقة الأساليب النثرية والشعرية العربية قديماً وحديثاً؟
الأساليب تتعدد باختصار شديد , ولكني علمت من القديم أساليب الشعر بأنماطه أو أغراضه المتنوعة وكان لها القدح المعلى , ثم بدأت تظهر المقامات وكتب القواعد اللغوية وشرحها وعلم العروض وتقديم تفسير القرآن الكريم ولكل غرض طريقة عرضه وتقديمه بما يتفق مع المضمون, إلى أن توسعت أغراض النثر تحديدا , فدخلت الأساليب العلمية البحتة ثم الأسلوب العلمي المتأدب , وأسلوب القصة السردي والرواية ولكل أسلوب خصائصه وأفكاره ومعانيه وطريقة صياغته وجمالياته بما يخدم الغرض الذي من أجله أُلف كتاب أو دبج مقال , بينما ظل الشعر يتمتع ومنذ البدايات الأولى بجملة جماليات لا بد منها وهوما يعرف بالإبداع أو الأتيان بما مبتكر وجديد وخلاق يجذب القارئ ويستهويه , وذلك ما يفتقد القدرة فى الوصول إليه كثير من الحداثيين .
    
سؤالي الخامس  
كيف ترى الرسائل الشعرية المتبادلةبين الشعراء؟وهل سبق لك أن راسلت بعض الشعراء شعراً؟      
صلة لابد منها بين الشعراء تثري الحقل كثيرا , ولقد كانت لي مساجلات ومراسلات مع البعض من غير المعروفين كثيرا ولكنهم يمتلكون الموهبة والقدرة ولا يرغبون الانخراط فى عالم الشعراء وأيضا لي مساجلات ورسائل لشعراء لهم باعهم الطويل وقدرهم وقاماتهم الفارعة , على رأسهم الشيخ الشاعر المفكر الإسلامي الشهير صديقنا أحمد الكبيسي الذى أضفى علي مرة لقب هزار السودان , كما لي مساهمات في هذا الجانب مع شعراء عرب من مختلف الأقطار مثل الأساتذة : عباس محمد عب الجواد من مصر وعزت عفيفي قطب , ومن عمان أذكر الشيخ مرشد الخصيبي الذي قال عني في قصيدة له ينعت شعري :  
              لولا مخافة كفر *    لقلت ذا آي محكم    
ومن المغرب الشاعر عبد الكريم الفلالي , وعدد من شعراء فلسطين وسوريا والأردن والسعودية , وسرني أن يصفني الشاعر الكبير الصديق لطفي منصور بزهير العصر .
وقبل كل هؤلاء , كنا بالسودان نكون رابطة شعراء الكتيبة , كانت متخصصة فى الهجاء , فكل منا يهجو صاحبه لا حبا ولا رغبة فى الهجاء, وإنما نهجو عادات إجتماعية نعتقد أنها غير مرغوب فيها أو سلوكيات مجتمعية نكرهها , وقد تولت صحيفة عريقة آنذاك ( السودان الجديد ) بنشر أشعارنا في عمود مخصص لنا ويومي يشرف عليه الصحفي السوداني الشهير طه المجمر يؤحمه الله , والصحيفة بهذه المناسبة أسسها رجل سوداني عظيم كان يعرف بأب الصحافة السودانية , هو الأستاذ المرحوم أحمد يوسف هاشم , وبوصول جعفر نميري إلي سدة الحكم بليل عام 1969م ومصادرة الصحف وتكميم الأفواه , فقد توقف ذلك الدفق الهائل , وللعلم توقفت أنا شخصيا عن النشر لمدة ستة عشر عاما إبان فترة مايو المشئومة , فقد كان انقلاب النميري في 25/5/1969م ولم أنشر سوى مقالة واحدة قدمت فيها إلى القراء الروائي السوداني المعاصر والشهير الأخ إبراهيم إسحق إبراهيم وكان لي شرف الأولوية في الكتابة عنه وتوجيه الأنظار إليه .
كذلك ظل حالي فى تبادل الرسائل والمساجلات مع أخ عزيز كريم من أبناء تونس الخضراء , توزري ( أي من نفس بلد الشاعر أبي القاسم الشابي ) , الأديب الشاعر الساخر الكبير عبد اللطيف الزبيدي , وهو صاحب كتاب ( فرائد أبي الزبائد ـ الأدب الساخر في عصر المساخر ) .
الأمثلة كثيرة وتتعدد ولكن الاختصار مفيد أحيانا وعذرا إذا لم أرم إلى إحصاء وإنما إهعطاء بعض النماذج .   
سؤالي السادس  
ما هي القصيدة العربية التي بقيت راسخة في ذهنك بعد أن قرأتها؟
حقيقة الكثير من القصائد من المعلقات وحتى أشعار الجواهري وفائية الشاعر الكبير صديقنا أ.د أحمد الكبيسي :
      من بعــد حفــــــنة أعـــوام هـــنا أقف
إن الوقوف هـــــــــنا يا سادتي شرف
      عشرون عاما مضت خطفا وما برحت
في ذكـــــــرياتي سطورا ليس تنحذف
       وكـــــــنت أحســــــب أني لا أعاودها
فما مضى قد مضى والعمر منصرف
       وها أنا اليــــوم مدعـــــو على عجل
يشــــــدني من كـــــتاب الله منعطف
        فــرحـــت أســــبق قلـــبي لا أسابقه
لأنه كان لا يمـــشــــــي ولا يـقـــف
        إذ هاجه الشــوق والذكرى ومدرجة
ورفـــقــة والأسى والشـيب والأسف
وهذه القصيدة تضمنت كل أغراض الشعر من ذاتي ووصف ورسم حقيقي بالكلمات وغزل ومديح وهجاء ودفاع عن العقيدة وكل ما يعن بخاطرك من أغراض .
 ولابد أن أذكر هنا أنني أذوب بالشعر الجميل والحرف الراقي وأحتفظ بمختارات لعدد من الشعراء أصادف لهم قصائد أعتقد أنها مميزة , فلنزار أشعاره في ذاكرتي وضمن مختاراتي وحتى لكثير من شعرائنا المعاصرين والمرحومين قصائد راقتني كثيرا , ولا يمكن أن أحصي فى لقاء عاجل كل ذخيرتي من الشعر الذي رسخ وأعجب وهز دواخلي .
الله ما أحلى الجواهري  
سؤالي السابع   
ترى هل يقوم العنوان الشعري مقام القصيدة الشعرية؟وهل هو بالفعل جزء منها، أم أنه كائن مستقل عنها بنفسه؟   
من المؤكد أنه أنه لا يقوم مقام القصيدة بأية حال من الأحوال ولكنه جزء منها يستقى من مضمونها ويعطي فكرة عما سيقرأ أو يجد المتلقي .
سؤالي الثامن   
ما القيمة الأدبية والنقدية التي ينطوي عليها المشهد المرئي في واقع الحياة الإنسانية بالمقارنة مع الصورة الشعرية؟
قليل من الأدباء والنقاد والشعراء يقدمون ما هو لصيق آسر بواقع الحياة الإنسانية , ولكن الكثيرين يعيشون في أبراج عاجية ولا علاقة لما يكتبون بالواقع كله , يتوهمون أنهم يكتبون , ولا أدري , فلي ميل أن أكتب شيئا في هذا المقام عما كتبه السابقون وبالذات في العصر الجاهلي !!!!!
لو أخذنا زهير بن أبي سلمى ومعلقته الشهيرة , ولا أود الإفاضة , لا عن ضعف وعدم قدرة ولكن لإيماني بأن القارئ العزيز لا يقل عني معرفة وعلما , فالرجل نظر إلى واقعه وأنشأ معلقته الحولية الشهيرة وأخذ يدعو من حوله للسلم :   
         وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ     
                  وما هو عنها بالحديث المرجم
         مـــتى تبعثوها تبعثوها ذميمة
                 فتضرى إذا ضريتموها فتضرم
دعوة للسلم سبقت الإسلام كما نعرف , والغريب في الأمر أن البعض من ذوي التفكير الضحل , يعتقدون أن العصر الجاهلي , كان عصر أمية , بينما هو عصر من أنضر صفحاتنا الأدبية والشعرية ثراء وغناء , فلم تكن تعني الجاهلية الأمية بأي حال من الأحوال , وإنما تعني عدم اتباع نهج عقدي أو شرعة دينية , فيها الكثير من الحماقة والبعد عن الله , وإن استثنينا أبيات لبيد بن أبي ربيعة الشهيرة :
       ألا كل شيء ما خلا الله باطل
               وكل نعــــيم لا محـــالة زائل
ويستمر زهير في معلقته فيقدم لنا قولا عجيبا :
      لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
               فلـــم يبق إلا صورة اللحم والدم
ألا ترى معي أن الرجل كان يؤمن بالروح وعالم الروح ويدرك أن الجسم الطيني إنما يفنى ويزول !!!! ونحن حتى هذه اللحظة يضيع زمن المسلمين فى جدال عقيم: هل يبعث الله أجسادنا هذه أم ماذا؟ وينسون أن الله إذا أراد شيئا فعله وهو على كل شيء قدير فعال, يفكرون بقواميس ونواميس حياتهم الدنيوية التي يعيشونها ولا يتخيلون أبعد منها !!!
ويقول زهير أيضا :
         وأعلم علم اليوم والأمس قبله
              ولكنني عن علم ما في غد عم
وما كان له أن يقول هذا لولا علمه وإيمانه بالغيب .
تفكّر فيما سبق وستجد أننا الآن شعراء نحيا في تيه وتوهان مريرين … أولئك آبائي فجئني بمثلهم …..
بالمناسبة نقد العارفون بيت زهير الأخير وأنكروا عليه عليه لفظة ( قبله ) باعتبار أن الأمس قبل اليوم , مما يعتبر ورود ذكرها حشوا اقتضاه الوزن الشعري , كانت لهم حاسة عالية وذوق رفيع , وإن بلغ زهير درجة ما بلغها غيره من شعراء العالم إلا ما ندر , ولذا فزهير يعتبر من أكبر شعراء العالم وبعد هذا يطل علينا هذا أو ذاك بتبعيته الغريبة والمريبة للغرب !!!!
ولمثال آخر أسوق لبيدا , فقد رثى أخاه أربد :
       بلينا وما تبلى النجوم الطوالع
                وتبقى الجبال بعدنا والمصانع
وهي من القصائد الشهيرة جدا لما ورد بها من حكم ومعان رائعة وقل ما شئت من الصفات المادحة الواصفة الزاكية , ولكني أقف عند بيته الذي يقول :
       وما المرء إلا كالشهاب وضوئه
يحور رمادا بعــــد إذ هو ساطع
وأثبت العلم حديثا ـ بعد أربعة عشر قرنا مما قال لبيد ـ أن الله خلق الأرض بدون عنصر الحديد , ثم بدأ ينزل على الأرض عنصر الحديد من الشهب المحترقة , وسبحان الله تنزل بقاياها أو رمادها الذي يزود الأرض بعنصر الحديد فى الأماكن الخالية والصحارى , وبفعل العوامل الطبيعية يتوزع على الأرض ,وصدق الله العظيم ( وأنزلنا الحديد فيه …….)
عموما آسف للإطالة وربما الانحراف بالقارئ والسرحان به هنا وهناك. مكررا وأين مني الغداة نجد ؟
سؤالي التاسع   
أما زلت تذكر أولى كتاباتك الأدبية؟ما عساها كانت تعنيه بالنسبة إليك بالأمس؟وما الذي تدل عليه اليوم في  رأيك؟
كنت أذكر كل أشعاري وأقوم بين حين وآخر بالمراجعة وإعدام البعض والإبقاء على البعض الآخر , ربما لتغير الرؤية أو لأن القصيدة أراها أقل من أن أحتفظ بها خاصة وأن الآدمي يتطور بين فينة وأخرى , فما بالك بالسنوات التي تمر , وأحاول بعد إعدام قصيدة مثلا أن أنساها ولكني أفاجأ بمن يحفظ منها شيئا من الزملاء الذين عاصروني طالبا وتلميذا وشابا , وقد فوجئت عام 2001م بشلل نصفي في الجهة اليسرى من وجهي فى ليلة من ليالي سبتمبر ذلك العام , واستمر العلاج لمدة ثلاثة أسابيع بالكوزتيزون وغيره حتى عدت لطبيعتي الأولى , ولكن تبين لي أني فقدت كل ما أحفظ من أشعاري وحتى اليوم لا أستطيع أن أحفظ من أشعاري بالذات شيئا إلا أن أقرأها من الورقة المطبوعة او شاشة الكمبيوتر مما أثر على إلقائي الذي أشتهرت به تأثيرا واضحا , فالحفظ يساعد على جودة الإلقاء بينما تشغلك القراءة من ورقة كثيرا وربما تخطئ أحيانا فى الإلقاء أو قراءة بيت ما .
أذكر أول قصيدة نشرت لي بصحيفة سودانية , كانت بالشعر الشعبي السوداني وكنت حينها بالسنة الرابعة الإبتدائية حول العدوان الثلاثي على مصر الشقيقة وطبعا أدين العدوان وأشتم إيدن وأشد أزر هرم العروبة الأكبر الرئيس جمال عبد الناصر , بينما ألقيت أخرى قبل ذلك فى مطلع نفس العام فى موكب شعبي كبير يحتفل باستقلال السودان , ولكني بدأت الشعر العربي الفصيح بموت أبي الذي كنت متعلقا به كثيرا وكان يعاملني معاملة خاصة لأنه أطلق علي اسم أبيه ( حسن الأفندي ) تلك الشخصية المهابة والحاكم التقي الورع كما سمعت , وأذكر بيتا من تلك القصيدة يقول :
       مات الذي قد يسعد دنيتي
                 ويحبني حب الحياة لجاهل 
وكنت أرى في ذلك شعرا وأدبا فريدا بطبيعة الحال , فالجمل لا يرى رقبته العوجاء , ولكنها الآن لا تمثل لي شعرا أعتد به في كثير أو قليل , إذ لا أجد في قصيدة بكاملها سوى بيت أو بيتين يستحقان الوقوف عندهما , أما البقية الباقية فحشو وربما تعبير عن تفكير قاصر غض الإهاب .      
سؤالي العاشر    
هل صحيح أن الشعر العربي سيظل ديواناً للعرب دون منازع له في هذه الصفة أو منافس له في مكانته؟   
هذه صحيح مائة بالمائة ومن يرى غير ذلك , فإنما يغالط نفسه أو وقائع الحال ,والذاكرة العربية نشأت وستبقى شاعرية , ومن هنا جاء الاستهداف للعربية عبر ذاكرة أبنائها والسعي للنيل من أرفع موروثاتها وأحبه إليهم .
سؤالي الحادي عشر   
كيف تنظر إلى ضميرالمتكلم "أنا"في الأعمال الأدبية النثرية والشعرية؟
في الأعمال النثرية غير حميد ولا محبب , ولكن فى الأعمال الشعرية فمباح للشاعر ما لا يباح لغيره , وللمواقف والضرورة أحكام وإملاءات لا مفر منها .
سؤالي الثاني عشر    
ما نصيب الإلقاء الشعري من اهتمام وعنايةالشعراء العرب المعاصرين؟وما الذي يعنيه بالنسبة إلى القصيدة العربية؟
الإلقاء مهم للقصيدة العربية يجعلها قريبة من أذن وقلب المتلقي ,شريطة أن يكون الشعر في حد ذاته جيدا , لا أن يتميز فقط بالإلقاء , ثم يعود المتلقي فيقرأ القصيدة التي استمع إليها من لسان صاحبها فلا تؤثر فيه ولا يجد فيها شيئا آسرا , يجدها خواء بلقعا , وإنما كان الإلقاء فقط هو من يزينها , وأذكر مرة أنني استمعت قبل عدة سنوات وقبيل وفاته بأشهر قليلة للشاعر المرحوم المعروف البياتي على محطة إم بي سي فى لقاء مطوّل معه , فتحدث عن هذا الجانب وقال إن بعض الشعراء يزينون أشعارهم بإلقائهم وحقيقة الأمر أن لا أشعار لهم وضرب مثلا بكل من نزار قباني ومحمد الفيتوري , وذلك رغم أنه رأيه , إلا أنني أحب فعلا سماع صوت نزار قباني وحنجرته الذهبية وقدرته الفائقة في إلقاء الشعر, ورغم إيماني بأن ليس كل ما كتب نزار قباني كان شعرا , إلا أنني لو استمعت إليه في كل ما كتب وبصوته وحنجرته الذهبية لطربت أيما طرب , وأنا ممن يحبون الاستماع إلى نزار دائما من شريط كاسيت قبل النوم . 
سؤالي الثالث عشر    
ترى هل سبق لك أن صادفت في قراءاتك سيراً ذاتية  شعرية؟
بل وما أكثر ذلك ! وما ترى فى السير الذاتية ؟ أليست سرد لحياة ومسيرة وواقع حال ؟
خذ مثلا عبده يغوث وقصيدته التي رثى بها نفسه وكيف تعرض لسيرته الذاتية :
            ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا
                       فما لكما فى اللوم خير ولا ليا
وخذ أيضا قصيدة مالك بن الريب التميمي , أيضا يرثي نفسه وعلى نفس بحر الطويل ونفس الروي لقصيدة عبده يغوث :
         ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
                 بوادي الغضا أزجي القلاص النواجيا
فالرجل ولد وشب وترعرع فى وادي الغضا وتشبث به حتى اللحظات الأخيرة , مما حدا به إلى تكرار وادي الغضا مرات عديدة , وليس كل التكرار مقيتا , فالتكرار هنا يفيد التشبث والتمسك والحب والهوى لوادى الغضا , مثلما يفيد تكرار الآية ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) أكثر من ثلاثين مرة في سورة الرحمن المحاورة والإقناع والتحدي .
ولعل مالك بن الريب قد ذكر فى القصيدة كيف أنه كان عطافا إذا الخيل أدبرت وكيف أنه ترك الصعلكة والضلال القديم وأصبح في جيش ابن عفان غازيا , مما أضفى عليه لقب الشاعر الإسلامي , وكيف كان كريما وقويا وشجاعا وأصبح فى حال لا يحسد عليه , وذكر أن له نسوة بوادي الغضا يبكينه ويفدين الطبيب المداويا ……ألخ
ولعلي أرى فى صديقي أبى العلاء المعري مثالا لمن تحدث عن سيرته الذاتية شعرا :
               هذا ما جناه أبي علي وما جنيت على أحد
بل أليست أبياته التالية سيرة ذاتية تؤرخ له ؟:
            أراني في الثلاثة من ســــجـوني
                      فلا تســـأل عن الخــــــبر النبيث
            لفقــــــــدي ناظري ولزوم بيتي
                     وكون النفس في الجسم الخبيث
ولا أريد أن أضرب مثلا بقصيدتي ( مرثيتي ) :
        مات الحسنْ , مات الحسنْ
                        فالحزن بعدك والحَزَنْ
وقد ذكرت فيها جانبا من حياتي وتاريخي الأدبي والشعري الحافل بالعطاء الثر في إبداع .
ويمكن أن أسوق عشرات الأمثلة ولكن كما يقولون خير الكلام ما قل ودل, وقد كان لنا أستاذ طريقة فى تدريس الرياضيات بالمرحلة الجامعية , كان يقول لنا : لو وجدت عشرون طريقة لحل مسألة رياضية , ولكنك أخذت واحدة منها ووجدت أن طلابك يفهمون ما قلت , فلا داعي لحل المسألة بطريقة أخرى إذ أن فى ذلك ضياعا لوقتهم !
    
سؤالي الرابع عشر     
ما الذي تراه في شأن صلة الأدب بالخلق الرفيع؟ وهل تستوي دعوة من ينادي بأن الأدب يجب أن لا تكون له غاية سوى الأدب مع من يرفع صوته بالدعوة إلى أن يكون الأدب وسيلة من أجل الرقي بالحياة الإنسانية إلى ما يزكيها، والسمو بها إلى ما يحييها؟
إذا لم يكن الأدب خدمة للأدب الرفيع والخلق الرفيع فما كان أدبا , وكم يحضرني ويحضرني ويحضرني ……. ولكني أمسك إلا عن القليل , فنحن بالذات من أمة أكرمها الله بأعظن نبي ورسول وأعظم كتاب , يدعو إلى مكارم الأخلاق ويحث على أن الدين حسن المعاملة , وحتى من قبل الإسلام كان العرب على مستوى عال من كرم الخلق والضيافة والرجولة والشجاعة والفروسية , ونحن من قال الحكم :
        ومن يعص أطراف الزجاج فإنه
              مطيع العوالي ركـــبت كل لهذم  
ونحن من قال :
                 يعاتبني في الديْن قومي وإنما
                              ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
                لهم جل مالي إن تتابع لي غنى
                             وإن قلَّ مالي لم أكلفهم رفدا
ونحن من قال :
                   وأغض طرفي إن بدت لي جارتي
                             حـــــــتى يواري جـارتي مأواها
ونحن من قال :
              وإني لعبد الضيف ما دام نازلا
                     وما لي شيمة غيرها تشبه العبدا
ونحن من قال :
               ونشرب إن وردنا الماء صفوا
                       ويشرب غـــــــيرنا كدرا وطينا
ولا أنانية في ذلك وإنما أقرأ فيها العزة والكرامة والأنفة والشموخ , وما أحوجنا في عالم اليوم لمثل هذا .
ونحن من قال :
                   فلا هطلت علي ولا بأرضي
                                       سحائب ليس تنتظم البلادا
ونحن من قال :
                     أفرّق جسمي في جسوم كثيرة
                              وأحسو قراح الماء والماء بارد
ورحم الله عروة بن الورد أول من أدخل كلمة شركة وشراكة فى اللغة العربية .
والأمثلة تطول ولكننا كما ذكرنا آنفا , فقط نعطي أمثلة ولا نقوم بحصر
فالشعر والنثر والثقافة عامة , يجب أن تكون ذات مضمون ورسالة تؤدي فى النهاية إلي الخلق الرفيع والتأسي الحميد , ولعلي أول من اختلف مع رؤية البعض في أن الأدب لابد أن يكون موازيا للحقيقة والواقع بلا مثل ولا قيم تأتي مقصودة وإنما في سياق غير مقصود , ولهذا وجدت بعض القصص أو الروايات رواجا لما فيها من إباحية وبذاءة وهدم لأعراف وقيم المجتمع العربي المحافظ , واللبيب بالإشارة يفهم .   
سؤالي الخامس عشر   
ترى ما نصيب تجليات الصبي حسن الأفندي في كتاباتك الأدبية نثرها وشعرها؟
وهل كنت في يوم من الأيام غير صبي ؟؟؟
رغم ما اتسم به شعري في الآونة الأخيرة من اجترار للذكريات والوقوف علي أطلال العمر المنقرض ورغم الجأر بالشكوى وبكاء الحال , إلا أنني أهمس في أذنك بأننا نحن ىسائر الشعراء أطفال كبار كما كان يصف عميد الأدب العربي صديقي أبا العلاء المعري في كتابه مع أبي العلاء في سجنه , فكان كثيرا ما يردد العميد يرحمه الله : يا لعبث الأطفال الكبار وهو يقوم بتشريح لزوميا المعري , ولعلي لم أجد رغم شكواي والأسي والتأسي في يوم ما نفسي غير ذلك الصبي الغِرَ   الشقي , فما زال في داخلي بقايا من صبا وأعجب كيف يقول عني هذا أو ذاك (الشيخ حسن) وكثيرا ما أردد في نفسي :
                 زعموني شيخا ولست بشيخ
                               إنمـا الشـــيخ من يدِب دبيبا
ولعلك إن قرأت لي شعر الحماسة والغزل لوجدتني ما زلت صبيا , باختصار لم أكن في يوم من الأيام غير صبي !!!!!!

سؤالي الأخير   
هل من سؤال أو أسئلة لم أهتد إلى بسطها في هذا المقام؟ ما عساه يكون السؤال أو تكون الأسئلة؟ وما عساها تكون إجابتك عليه أوعليها؟
أسئلتك بصراحة ثرة وشاملة وثرية , وكان من المفروض أن أتروى في الإجابة عليها بما تستحقه من تأن وإسهاب وشرح , ولكني آثرت الاختصار , فأنا أعاني هذه الأيام من نزلة برد حادة نظرا لتغير الجو أو الطقس بين الخليج والسودان الذي أقضي فيه إجازتي الصيفية بأمطاره الموسمية التي يتحول بها المناخ من حار لبارد أو علي الأقل معتدل ذي نسمات عليلة بليلة , وربما لا نرى الشمس أحيانا طيلة اليوم .
وأستغل لقاءك وحوارك الكريم معي سانحة ألقي فيها ببعض الظلال علي مؤلفاتي , إذ لي الديوان الشعري من أربعة أجزاء زاخرة بالعديد من القصائد منها المطولات , وديواني هو ( البوادر ) والبوادر تعني البدايات الأولى وأيضا تعني الدموع , فالدمعة بادرة في اللغة وهو ما رميت إليه , أما الجزء الخامس من البوادر فعنوانه ( الصفا والوفا فى مديح الحبيب المصطفى ) ويضم حوالي المائة قصيدة فيه كل شعري الإسلامي والذي تتناقله مواقع إسلامية ولقصيدة ( أبا الزهراء ) نصيب كبير علي كثير من المواقع .
أما كتبي النثرية فقد أختصرت في ( ليالي الاغتراب بالتراي ستار ) وهو كتاب من ثلاثة أجزاء بالإضافة إلي كتاب ( الرثاء في الشعر العربي قديمه وحديثه) وأعتقد أني وسّعت فيه مفهوم الرثاء ليكون أشمل عما تعارف عليه الكثيرون , والآن كتابي الخامس تحت الجمع وربما أضفت إليه أحد الفصول بحوارك الكريم هذا , وإن كان معظم الكتاب يُعنى بالشأن السوداني .
 
هذه باقة حروف حوارية وضعتها برفق في مزهرية مربدية سنية، عسى أن يتقبل القارئ الكريم شذوها وأريجها بقبول حسن
في انتظار إجاباتك مسهبة ومقتضبة
حياك الله
د. عبدالفتاح أفكوح - أبو شامةالمغربي

aghanime@hotmail.com

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب, ثقافة, خواطر, شعر | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر