الأخ حسن الأفندي يتحدث عن مكتبته …..
كتبهاحسن الأفندي ، في 17 أغسطس 2009 الساعة: 09:52 ص
الأخ حسن الأفندي يتحدث عن مكتبته الخاصة …
*
حسن الأفندي
يتحدث عن مكتبته الخاصة
أخي الكريم
حسن
سلام الله عليك ورحمته تعالىوبركاته
إذا مادعونا الأخ الكريم حسن إلى أن يحدث أهل المربد الزاهربإسهاب قدر ما يستطيع عن مكتبته الخاصة، فيا ترى ما عساه ينتقي من سحر بيانه وآسركلماته ليحدثهم من خلالهما عن مكتبته؟
في انتظار حروف حديثك المزهرة
حياك الله
د. عبد الفتاح أفكوح - أبو شامةالمغربي
(1)
رد: الأخ حسن الأفندي يتحدث عنمكتبته الخاصة .
أخانا الكريم الأستاذ الكبير الدكتور عبدالفتاح
السلاموالرحمة
مالك كلما أغلقنا بابا فتحت لنا آخر ؟ ألا ترى معي أ نالموضوع هذا كبير كبير ويحتاج لجهد ووقت ؟ وقد بلغت من الكبر عتيا , ولكني على كل حال لا أستطيع أن أرد لك طلبا فيه مصلحة وفيه اجترار للذكريات .
أعدك بأن أبدأ بالرد قريبا جدا وربما من الغد إن شاءالله محاولا سلسلة النقاط والأفكار ومرحلتها , فالموضوع كبير وهام , ولا أخفيك سرا بأننا في حاجة لدراسة تجارب الجميع في هذا الصدد حتى نكوّن الأسوة والقدوة الحسنة لشباب اليوم الذي لا يهتم إلا بالسماويات والأغاني الهابطة , آل إيه : وبوس الواوا وبحبك يا حمار !!!! وطبعا لا مؤاخذة ومعذرة فأنا أستحي مما ينحون إليه .
ما أحوجنا إلى سرد تجارب مثقفينا وعلمائنا فعسى ولعل أن يجعل الله بعد عسر يسرا وبعد تخلف حيا ة وحضارة
جهدك مشكور وعظيم ورائع ويستحق الإجابة منا ركضا وهرولة
دمت كبيرا ورياديا سباقا
السلاموالرحمة
مالك كلما أغلقنا بابا فتحت لنا آخر ؟ ألا ترى معي أ نالموضوع هذا كبير كبير ويحتاج لجهد ووقت ؟ وقد بلغت من الكبر عتيا , ولكني على كل حال لا أستطيع أن أرد لك طلبا فيه مصلحة وفيه اجترار للذكريات .
أعدك بأن أبدأ بالرد قريبا جدا وربما من الغد إن شاءالله محاولا سلسلة النقاط والأفكار ومرحلتها , فالموضوع كبير وهام , ولا أخفيك سرا بأننا في حاجة لدراسة تجارب الجميع في هذا الصدد حتى نكوّن الأسوة والقدوة الحسنة لشباب اليوم الذي لا يهتم إلا بالسماويات والأغاني الهابطة , آل إيه : وبوس الواوا وبحبك يا حمار !!!! وطبعا لا مؤاخذة ومعذرة فأنا أستحي مما ينحون إليه .
ما أحوجنا إلى سرد تجارب مثقفينا وعلمائنا فعسى ولعل أن يجعل الله بعد عسر يسرا وبعد تخلف حيا ة وحضارة
جهدك مشكور وعظيم ورائع ويستحق الإجابة منا ركضا وهرولة
دمت كبيرا ورياديا سباقا
(2)
ما زلت ألهج بالشكر لك وللأخ الشاعر لطفي الياسيني , وعلى بركة الله أبدأ :
البدايات الأولي
كان السلم التعليمي أربع سنوات لكل مرحلة من مراحل التعليم العام , تبدأ بالمدرسة الأولية أو الابتدائية ثم المدرسة المتوسطة وأخيرا المدرسة الثانوية , وكان المعلمون معلمين بحق وحقيقة , يرعون أبناءهم ويغرسون فيهم حب المطالعة والقراءة منذ البدايات الأولى لحياتهم , حتى وإن كلف ذلك المعلم ان يدفع من جيبه مالا لإنفاقه على شراء بعض الكتب لبعض الطلاب ممن لهم نهم للقراءة ولإشباع ميولهم خصوصا ممن كانوا فقراء من الطلاب أو من أسر لا تستطيع توفير الكتاب للطالب رغم ظهور نبوغه ورغبته فى المطالعة والقراءة .
وكان وما يزال بوزارة التربية والتعليم مديرية عامة تعنى بطباعة ونشرمجلتين هما الصبيان والكبار وكانتا شهريتين بغض النظر عن محتوى المجلة سابقا وحاليا , فحاليا انقطعت الصلة بيني وبين ما يجري في هذا الصدد, وكانت تصل هذه المجلات لكل المدارس فى كافة أنحاء السودان , وثمن المجلة قرشان فقط , كنا نعمل حسابنا لتوفيرالقرشين طوال الشهر حتى إذا وصلت المجلة اشتريناها ومن لم يستطع توفير القرشين , فإن معلمه يعطيه المجلة ويطلب منه تسديدها لاحقا وقبل أن يصل العدد التالي , ومن يفشل فى تسديد المبلغ , فإن المعلم يقوم بدفعه فى رضا تام خصوصا متى آمن بمصداقيةالتلميذ وفى الغالب كان المعلمون يلمون بظروف كل تلاميذهم وأسرهم , ورغم مرتباتهم الضعيفة نسبيا , إلا أن راتب أي موظف دولة كان يكفيه ويكفي أسرته ويوفر منه ويتزوج ويربي عياله , فالحياة كانت ميسرة وكل ما تحتاجه كان رخيصا . لم ندخل وقتها في فترات الانقلابات العسكرية والتخبط والتخطيط العشوائي ولم تبدأ حينها ما يعرف بالعولمة واقتصاد السوق وأثره العالمي على البلدان خاصة النامية منها.
كانت المجلتان بهما الكثير من القصص الممتعة والأناشيدالمتخصصة التي تناسب سن الطفل وتناسب الكبار ممن فاتهم ركب التعليم فالتحقوا بفصولمحو الأمية وتعليم الكبار . وأشهد أننا بدأنا مع تلكم المجلتين , ننتظرهما شهريا مثلما يرقب المسلم الحق بزوغ هلال شهر رمضان المبارك بشوق ولهفة حبا في أداء شعيرةالصيام التي تقربه من الخالق عز وجل وتجعل منه الورع التقي .
مع ذلك كانت هنالك بعض القصص الصغيرة توزع علينا فى الفصول في حصة المكتبة لنطالعها ويمكن استلافها وإرجاعها لإدارة المدرسة أو مرشد الصف وفق ضوابط محددة ومعروفة .
تلك كانت الابتدائية والتي بدأنا منها ومعها حبنا للقراءة والكتاب , وما زالت المسيرة مستمرة
وكان وما يزال بوزارة التربية والتعليم مديرية عامة تعنى بطباعة ونشرمجلتين هما الصبيان والكبار وكانتا شهريتين بغض النظر عن محتوى المجلة سابقا وحاليا , فحاليا انقطعت الصلة بيني وبين ما يجري في هذا الصدد, وكانت تصل هذه المجلات لكل المدارس فى كافة أنحاء السودان , وثمن المجلة قرشان فقط , كنا نعمل حسابنا لتوفيرالقرشين طوال الشهر حتى إذا وصلت المجلة اشتريناها ومن لم يستطع توفير القرشين , فإن معلمه يعطيه المجلة ويطلب منه تسديدها لاحقا وقبل أن يصل العدد التالي , ومن يفشل فى تسديد المبلغ , فإن المعلم يقوم بدفعه فى رضا تام خصوصا متى آمن بمصداقيةالتلميذ وفى الغالب كان المعلمون يلمون بظروف كل تلاميذهم وأسرهم , ورغم مرتباتهم الضعيفة نسبيا , إلا أن راتب أي موظف دولة كان يكفيه ويكفي أسرته ويوفر منه ويتزوج ويربي عياله , فالحياة كانت ميسرة وكل ما تحتاجه كان رخيصا . لم ندخل وقتها في فترات الانقلابات العسكرية والتخبط والتخطيط العشوائي ولم تبدأ حينها ما يعرف بالعولمة واقتصاد السوق وأثره العالمي على البلدان خاصة النامية منها.
كانت المجلتان بهما الكثير من القصص الممتعة والأناشيدالمتخصصة التي تناسب سن الطفل وتناسب الكبار ممن فاتهم ركب التعليم فالتحقوا بفصولمحو الأمية وتعليم الكبار . وأشهد أننا بدأنا مع تلكم المجلتين , ننتظرهما شهريا مثلما يرقب المسلم الحق بزوغ هلال شهر رمضان المبارك بشوق ولهفة حبا في أداء شعيرةالصيام التي تقربه من الخالق عز وجل وتجعل منه الورع التقي .
مع ذلك كانت هنالك بعض القصص الصغيرة توزع علينا فى الفصول في حصة المكتبة لنطالعها ويمكن استلافها وإرجاعها لإدارة المدرسة أو مرشد الصف وفق ضوابط محددة ومعروفة .
تلك كانت الابتدائية والتي بدأنا منها ومعها حبنا للقراءة والكتاب , وما زالت المسيرة مستمرة
(3)
المرحلة المتوسطة
ارتفع بعض الشيء مستوى الكتب التي نقرأها , كما أننا صادفنا جلسة أسبوعية مسائية لأول مرة تمتد لأكثر من ساعتين يحضرها كل طلاب المدرسة , وتسمى تلك الجلسة بالجمعية الأدبية التي تهدفلإكساب الطلاب الشجاعة الأدبية في إلقاء موضوعاتهم التي يكتبونها وفي التناظر فيما بينهم , وللجمعية رئيس وأمين سر ومسئول أدبي ويشرف عليها في الغالب أحد أساتذةاللغة العربية .
تلك الجمعية شجعتنا كثيرا فى القراءة والبحث والتقصي وكتابة الموضوعات , بل المحاضرات للمشاركة وخلقت جوا منالمنافسة بين فرقاء من الطلاب يتناظرون حول موضوع ما , كأن يقترح سؤال : هل تؤيد تعليم المرأة أم تعارضه ؟ ويتبنى فريق الموافقة وآخر المعارضة حتى وإن لم يؤمن بها , وكان لي من أصدقاء أعداء ألداء كثر , فهم أصدقاء بحكم أنهم لا يستطيعون الاستغناءعني وعن مجالستي وأنا كذلك لا أستطيع الاستغناء عن أحدهم وهم أعداء ألداء إذ يقفون دائما في الجهة المعارض لرأيى ونتناظر ولكل منا أسلوبه الحماسي الذي يلهب الأكف بالتصفيق ولكل منا أنصاره ومؤيدوه المتحمسون له حقيقة والمنحازون لجانبه , ولي مع هؤلاء الأصدقاء الأعداء ذكريات كثيرة نشرت في كتابي ليالي الاغتراب بالتراي ستاركما نشر بعض منهم ذكرياته ولم يهملوا فيها ذكري .
لا شك أن المنافسة تقود وتؤدي في النهاية إلى الإبداع لذوي الكفاءة والقدرة .
بجانب ذلك كانت هناك حصةالمكتبة وكان على الفرد أن يستلف كتابا يطالعه ثم يقوم بعرض ملخص له على أستاذاللغة العربية ويفترض أن يكون الملخص مختصرا مفيدا ويلقي بأهم وأبرز ما تعرض له الكتاب , وقد طلبت من أحد أساتذتي الأجلاء أن أقوم بالملخص ثم أحاول إعادة صياغةالكتاب بصورة مسهبة وبأسلوبي الخاص , فوافق وكان يراجع ما أكتب ويشجعني ويشد من أزري , فبارك الله في أستاذي الفاضل / عبد الرحيم عبد القادر وأطال عمره ومتعه بالصحة والعافية ـ إن كان حيا ـ ورحمه الله رحمة واسعة إن التقاه , فقد رأيته آخرمرة عام 1987م وانقطعت عني أخباره .
بمناسبة هذا الأستاذ الذي كان يشجعني , فقد سبقه أحدهم وطلبني مرة وقال لي في نقاش مطوّل : هل شعرك مثلا كشعرشوقي إذ يقول كذا وكذا وهل يعادل شعر حافظ إذ يقول كذا وكذا ؟ أحبط من روحي المعنوية ولست أدري كيف يتوقع من ابن الثالثة عشر سنة أن يكون بمستوى شوقي وحافظ ؟وهكذا لابد أن ندرك الدور الإيجابي المؤثر والسلبي المؤثر أيضا للمعلم !!!
وطبعا من بداية المرحلة المتوسطة بدأنا اللغةالإنجليزية وبدأنا نقرأ القصص بالإنجليزية من النوع المبسط (SIMPLIFIED) وبالمناسبةامتدت دراستنا للغة الإنجليزية حتي نهاية المرحلة الثانوية وكنا ندرس كافة المناهج بها إعتبارا من بداية المرحلة الثانوية طبعا فيما عدا مادتي اللغة العربية والتربيةالإسلامية ولكن العلوم والرياضيات والجغرافيا والتاريخ بجانب الإنجليزية كمنهج والأدب الإنجليزي , كنا لا نسمع في حصصها كلمة واحدة عربية .
كما كانت في ذلك الوقت الدراسة بالجامعات السودانية باللغة الإنجليزية مما كوّن لدى الفرد منا ذخيرة ضخمة من المصطلحات والألفاظالإنجليزية. وما زالت المسيرة مستمرة…….
تلك الجمعية شجعتنا كثيرا فى القراءة والبحث والتقصي وكتابة الموضوعات , بل المحاضرات للمشاركة وخلقت جوا منالمنافسة بين فرقاء من الطلاب يتناظرون حول موضوع ما , كأن يقترح سؤال : هل تؤيد تعليم المرأة أم تعارضه ؟ ويتبنى فريق الموافقة وآخر المعارضة حتى وإن لم يؤمن بها , وكان لي من أصدقاء أعداء ألداء كثر , فهم أصدقاء بحكم أنهم لا يستطيعون الاستغناءعني وعن مجالستي وأنا كذلك لا أستطيع الاستغناء عن أحدهم وهم أعداء ألداء إذ يقفون دائما في الجهة المعارض لرأيى ونتناظر ولكل منا أسلوبه الحماسي الذي يلهب الأكف بالتصفيق ولكل منا أنصاره ومؤيدوه المتحمسون له حقيقة والمنحازون لجانبه , ولي مع هؤلاء الأصدقاء الأعداء ذكريات كثيرة نشرت في كتابي ليالي الاغتراب بالتراي ستاركما نشر بعض منهم ذكرياته ولم يهملوا فيها ذكري .
لا شك أن المنافسة تقود وتؤدي في النهاية إلى الإبداع لذوي الكفاءة والقدرة .
بجانب ذلك كانت هناك حصةالمكتبة وكان على الفرد أن يستلف كتابا يطالعه ثم يقوم بعرض ملخص له على أستاذاللغة العربية ويفترض أن يكون الملخص مختصرا مفيدا ويلقي بأهم وأبرز ما تعرض له الكتاب , وقد طلبت من أحد أساتذتي الأجلاء أن أقوم بالملخص ثم أحاول إعادة صياغةالكتاب بصورة مسهبة وبأسلوبي الخاص , فوافق وكان يراجع ما أكتب ويشجعني ويشد من أزري , فبارك الله في أستاذي الفاضل / عبد الرحيم عبد القادر وأطال عمره ومتعه بالصحة والعافية ـ إن كان حيا ـ ورحمه الله رحمة واسعة إن التقاه , فقد رأيته آخرمرة عام 1987م وانقطعت عني أخباره .
بمناسبة هذا الأستاذ الذي كان يشجعني , فقد سبقه أحدهم وطلبني مرة وقال لي في نقاش مطوّل : هل شعرك مثلا كشعرشوقي إذ يقول كذا وكذا وهل يعادل شعر حافظ إذ يقول كذا وكذا ؟ أحبط من روحي المعنوية ولست أدري كيف يتوقع من ابن الثالثة عشر سنة أن يكون بمستوى شوقي وحافظ ؟وهكذا لابد أن ندرك الدور الإيجابي المؤثر والسلبي المؤثر أيضا للمعلم !!!
وطبعا من بداية المرحلة المتوسطة بدأنا اللغةالإنجليزية وبدأنا نقرأ القصص بالإنجليزية من النوع المبسط (SIMPLIFIED) وبالمناسبةامتدت دراستنا للغة الإنجليزية حتي نهاية المرحلة الثانوية وكنا ندرس كافة المناهج بها إعتبارا من بداية المرحلة الثانوية طبعا فيما عدا مادتي اللغة العربية والتربيةالإسلامية ولكن العلوم والرياضيات والجغرافيا والتاريخ بجانب الإنجليزية كمنهج والأدب الإنجليزي , كنا لا نسمع في حصصها كلمة واحدة عربية .
كما كانت في ذلك الوقت الدراسة بالجامعات السودانية باللغة الإنجليزية مما كوّن لدى الفرد منا ذخيرة ضخمة من المصطلحات والألفاظالإنجليزية. وما زالت المسيرة مستمرة…….
(4)
المرحلةالثانوية ــ جد واكتساب معارف
كانت في زمننا ثمان مدارس ثانوية مجهزة تماما بمكتبات وقاعات محاضرات ومختبرات وميادين رياضية وأحواض سباحة وكل طلابها يقطنون اقساما داخلية ممتازة المبنى والتجهيز، كان السودان بخير، كانت نموذجية أعتقد أنها الآن أصبحت كليات جامعية، وبدأت فعليا اكتساب المعارف عن دراسة وتحقيق وتمحيص، ورغم كبر المكتبة ومابها من كتب، حاولت جاهداً ألا أترك كتاباً إلا ودرسته دراسة، وجدت ضالتي مع أبي العلاء المعري والبحتري وابن الرومي الذي حاضرت زملائي عنه، والمتنبي وأبي تمام وشعراء المعلقات …………..وهلم جرجرة
أكاد أقول إني حفظت كل الدواوين، وحتى فصول وغايات أبي العلاء المعري ولزومياته وسقط زنده ورسالة غفرانه لمحمد بن القارح وما أبقيت شيئاً! وللعلم فقد انتهينا من حفظ دواوين ومسرحيات شوقي بالمرحلة المتوسطة كما لم نهمل حفظ ديوان حافظ إبراهيم والبارودي وشاعر القطرين ولعلي بين الفينة والأخرى كنت ألمح لذلك، ولكن عامل الزمن واختلاف الليل والنهار يُنسي كما يقول الرائع شوقي مجاريا قصيدة البحتري أو بالأصح سينية البحتري الشهيرة في وصف إيوان كسرى , وقد أجاد كلاهما فى شعره ,فالبحتري رسم بالكلمات ما لا يستطيع غيره أن يرسم وبما يظل إعجازا لكل شعراء هذا العصر وخصوصا الحداثيين المفلسين والفقراء:
تحسب العين أنهم جد أحيا
ء لهم بينهم إشارة خرس
يغـــتلي فيهم ارتيابي حتى
تتقـــــراهمُ يداي بلمــتس
والقصيدة طويلةومعروفة ومطلعها:
صنت نفسي عما يدنس نفسي
وترفعت عن جدا كل جبس
كما ذكرت أني مرضت بالتهاب العصب السابع الذي شل جانب وجهي الأيسر وتعافيت من ذلك المرض ولكنه ماأبقى في ذاكرتي حتى أشعاري ولم أعد أحفظ إلا النذر اليسير جدا ويمكن استعادة الذاكرة متى ما وجدت من يبدأ معي قصيدة أو بيتا أحياناً، ولكن لا أنكر أنني خرجت بحصيلة جيدة لم تبق على المطر الدثاث أو الدث والتراب النبث ونظرية آيبقور في إنكارالعلة الغائية وحدث بلا حرج، كنا بعد هذه المرحلة نحس بأننا أصبحنا متمكنين من الحديث في شتى ومختلف ومتنوع جوانب المعرفة والأدب والثقافة، وبدأت تنشر كتاباتنا وأشعارنا الصفحات الثقافية في الصحف السودانية وأصبحنا ننال حتى إحترام أساتذتنا الكبار , مما جعلني مرة أنظر متحسرا لمستوى الخريج الجامعي وأكتب سلسلة مقالات نشرت بموقعين سودانيين كبيرين كان عنوان إحدى المقالات: مخرجات التعليم حاليا , مما أثار حفيظة قارئين أرسلا لي رسالتين غير لائقتين على إيميلي مما دفعني بالرد عليهما بصورة علمية ومنطقية جعلت الكثير من القراء ينحازون لموقفي وبرسلون لي رسائل تشد من أزري وترفع معنوياتي وتدين وتشجب وتستنكر ما ذهب إليه القارئان , وكعادتنا فنحن ندين ونشجب ونستنكر ولا حيلة لنا غير هذه .
كانت تقام بالمدارس الثانوية حفلات كبيرة بمناسبة المولدالنبوي الشريف والهجرة وذكرى الإسراء والمعراج، وكانت الإذاعة السودانية تصلنالتنقل قصيدتي وتذيعها لمستمعيها وفي ذلك تأكيد على أننا كنا ذوي قيمة أدبيةحقيقية.
وتستمر المسيرة ………
(5)
المرحلة الجامعية
وصلناها ونحن قد أعددنا أنفسنا وغرسنا فيها خاصية القراءة والتحصيل والبحث والتقصي والجري وراء المعلومة , ورغم أن تخصصي كان رياضيات , إلا أن ذلك لم يحل دون الوصول لأمهات الكتب في الأدب العربي التراثية والمحدثة , فتناولنا الأغاني ولسان العرب والبيان والتبيين بجانب القواميس ومفرداتها وكل كتاب تناول علم العروض وحتى آخرها وأخيَرها المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها للعالم العلامة المرحوم البروفيسور عبد الله الطيب , وأضطررنا إلى أن نقرأ كل قصص نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس والسباعي لما لم نجد ما نقرأه !
كان أمين المكتبة يعلم عني كل شيء , فإذا دخلت المكتبة أخبرني بما ورده من جديد الكتب أو أخبرني بأنه لا توجد كتب جديدة بالنسبة لي يمكن أن أستعيرها .
ترأست نادي الشعر بمعهد المعلمين العالي بأمدرمان على مدى أربع سنوات وحفلت لياليه بالآلاف ممن يحضرون ليلاته الشهرية ومن الجنسين , وتلكم الليلات أتاحت لي فرصة التعرف على الكثيرين من شعرائنا الكبار ومن الشباب آنذاك وعلى عدد من الشعراء العرب المقيمين بالسودان آنذاك . كنت أقدم المشاركين من فقرة لأخرى وكان ذلك يقتضي أن أكون جذابا ومبدعا ومبتكرا حتى لا أكرر نفسي , وتلك كانت تشكّل لي تحديا لابد من إثبات الذات فيه .
شاركنا في فعاليات الليلات الشعرية التي كانت تقيمها الأندية الكبري مثل نادي الخريجين بأم درمان والنادي الثقافي بالخرطوم والمكتبة المركزية بأم درمان وهي مكتبة عامة كانت تابعة وأعتقد مازالت لوزارة التربية والتعليم , كما شاركنا في الليالي الشعرية التي تقيمها الجامعات وحضرنا ندوات أدبية أسبوعية كانت تقام بأم درمان كل يوم جمعة بمنزل الأديب الشاعر المرحوم عبد الله حامد الأمين , وأذكر أن الندوة الأدبية تلك هي التي اقترحت مسمى ديواني وذلك عام 1965م وظل اسم البوادر أثيرا لدي حتى تاريخه .
وتستمر المسيرة …….
كان أمين المكتبة يعلم عني كل شيء , فإذا دخلت المكتبة أخبرني بما ورده من جديد الكتب أو أخبرني بأنه لا توجد كتب جديدة بالنسبة لي يمكن أن أستعيرها .
ترأست نادي الشعر بمعهد المعلمين العالي بأمدرمان على مدى أربع سنوات وحفلت لياليه بالآلاف ممن يحضرون ليلاته الشهرية ومن الجنسين , وتلكم الليلات أتاحت لي فرصة التعرف على الكثيرين من شعرائنا الكبار ومن الشباب آنذاك وعلى عدد من الشعراء العرب المقيمين بالسودان آنذاك . كنت أقدم المشاركين من فقرة لأخرى وكان ذلك يقتضي أن أكون جذابا ومبدعا ومبتكرا حتى لا أكرر نفسي , وتلك كانت تشكّل لي تحديا لابد من إثبات الذات فيه .
شاركنا في فعاليات الليلات الشعرية التي كانت تقيمها الأندية الكبري مثل نادي الخريجين بأم درمان والنادي الثقافي بالخرطوم والمكتبة المركزية بأم درمان وهي مكتبة عامة كانت تابعة وأعتقد مازالت لوزارة التربية والتعليم , كما شاركنا في الليالي الشعرية التي تقيمها الجامعات وحضرنا ندوات أدبية أسبوعية كانت تقام بأم درمان كل يوم جمعة بمنزل الأديب الشاعر المرحوم عبد الله حامد الأمين , وأذكر أن الندوة الأدبية تلك هي التي اقترحت مسمى ديواني وذلك عام 1965م وظل اسم البوادر أثيرا لدي حتى تاريخه .
وتستمر المسيرة …….
(6)
وخرجنا إلى معترك الحياة ……..
أصبحت الآن أملك وظيفة وهذا يعني أن لي راتبا شهريا جيدا يمكنني من أن أشتري ما أريد …. كانت مصر الشقيقة تقيم معرضا سنويا أو نصف سنوي للكتاب بالخرطوم , وكنا نعد له العدة … لا نبخل بجنيه وربع أو ربما جنيه ونصف لشراء عدد من الكتب الثقافية القيمة , ونقرأها فهما واستيعابا ونقدا وتحليلا وأحيانا استعراضا بما نملك من ذخيرة ثقافية أمام رصفائنا ومثقفينا ومن نعتقد أن لهم الكلمة النافذة في الحكم على مستوى هذا أو ذاك , الهوامير الكبيرة .
وشاءت الأقدار أن أسافر لعامين متتاليين لمصر الثقافة , مرة لجامعة عين شمس وأخرى لجامعة الإسكندرية , كنا نستغل الفرصة في إقتناء كل المجموعات التي تصدرفى مجال التخصص الرياضيات فمن لامي للمختار للممتاز ولكتب الرياضيات الحديثة , الأمر الذي جعلني أساهم مع حفنة محدودة من الزملاء في إدخال الرياضيات الحديثة في مناهج الرياضيات بالسودان , كنا نصدر نشرات يتم تعميمها على المدارس لحين طباعة كتب تُضاف إليها محتويات تلك النشرات , فمن المجموعات للبرمجة الخطية للمتباينات للإحصاء والإحتمالات . التدريس عندنا لا يعتمد على الكتاب المنهجي فقط ولكن لك الحرية والخيار في الاستعانة بما ترى من الكتب الإنجليزية أو المصرية أو أية أنواع أخرى بحيث تغطي المنهج وجميع جوانب تطبيقات القوانين الرياضية , وكلما كنت ذا علم وتنوع واقتدار , كلما شقت سمعتك الآفاق بقوة .
وفي منتصف السبعينيات , عاودتني وساوسي تجاه الموت , ماهيته ؟ ما بعدالموت ؟ الحياة البرزخية ؟ الروح ؟ الجسم الأثيري ومكوناته ؟ … ألخ وكل ذلك دفعني لأن أدفع بسخاء في شراء كتب تتصل بهذه الأمور , فقرأنا مع الله في السماء والسموات السبع ونشأة الكون ويسألونك عن الروح من منظور غربي والإجابة من منظور إسلامي وقصةالإيمان ورؤية الفلاسفة , وأغرب ما لفت نظري أن فيثاغورث صاحب النظرية الرياضيةالمعروفة , هو أول من توصل أن وراء الكون وحدة واحدة لا تتجزأ , وهذا يعني أنه فلسفيا أول من أثبت وحدانية الله .
ولعل تلك الوساوس هي نفسها التي دفعتني لفهم القرآن الكريم معانيا وتفسيرات متنوعة وأسباب نزول وموافقات , وكنت أتأثر كثيرا بما أقرأ من تفسيرات وأحيانا أبكي لسبب نزول هذه الآية أو تلك , ولكن بتقدم العمر ورسوخ المعرفة أصبحت في موقف من يميز بين ما هو مقبول وبينما هومجرد تفسير يخلومن كل منطق , ومثال ذلك أنك تجد في تفسير الأمر القرآني للرسول الكريم بألا يستغفر لهم وحتى إن استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم , تجد من يقول إن الرسول الكريم كان قادما من المدينة لمكة ونزل بثنية كذا حيث قبر والدته وأخذ يبكي ويستغفر الله لها فنزلت الآية بالنهي , تألمت لذلك كثيرا وبكيت , ولكني وبالرجوع إلى المنطق لم أجد مبررا لذلك التفسير , فأم رسولنا الكريم من أهل الفترة لم تبلغها رسالة كذبت بها , فكيف يكون عدم الغفران لها , وما كان الله ليعذب أحدالم تبلغه رسالة ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا….(
المهم يبدو أن شيئا من النضج بدأ يلامسنا , وبدأنا نميزبين الغث والثمين
واستمرت المسيرة وتستمر إلاأن يوقفها الموت وتتوقف الأنفاس
أصبحت الآن أملك وظيفة وهذا يعني أن لي راتبا شهريا جيدا يمكنني من أن أشتري ما أريد …. كانت مصر الشقيقة تقيم معرضا سنويا أو نصف سنوي للكتاب بالخرطوم , وكنا نعد له العدة … لا نبخل بجنيه وربع أو ربما جنيه ونصف لشراء عدد من الكتب الثقافية القيمة , ونقرأها فهما واستيعابا ونقدا وتحليلا وأحيانا استعراضا بما نملك من ذخيرة ثقافية أمام رصفائنا ومثقفينا ومن نعتقد أن لهم الكلمة النافذة في الحكم على مستوى هذا أو ذاك , الهوامير الكبيرة .
وشاءت الأقدار أن أسافر لعامين متتاليين لمصر الثقافة , مرة لجامعة عين شمس وأخرى لجامعة الإسكندرية , كنا نستغل الفرصة في إقتناء كل المجموعات التي تصدرفى مجال التخصص الرياضيات فمن لامي للمختار للممتاز ولكتب الرياضيات الحديثة , الأمر الذي جعلني أساهم مع حفنة محدودة من الزملاء في إدخال الرياضيات الحديثة في مناهج الرياضيات بالسودان , كنا نصدر نشرات يتم تعميمها على المدارس لحين طباعة كتب تُضاف إليها محتويات تلك النشرات , فمن المجموعات للبرمجة الخطية للمتباينات للإحصاء والإحتمالات . التدريس عندنا لا يعتمد على الكتاب المنهجي فقط ولكن لك الحرية والخيار في الاستعانة بما ترى من الكتب الإنجليزية أو المصرية أو أية أنواع أخرى بحيث تغطي المنهج وجميع جوانب تطبيقات القوانين الرياضية , وكلما كنت ذا علم وتنوع واقتدار , كلما شقت سمعتك الآفاق بقوة .
وفي منتصف السبعينيات , عاودتني وساوسي تجاه الموت , ماهيته ؟ ما بعدالموت ؟ الحياة البرزخية ؟ الروح ؟ الجسم الأثيري ومكوناته ؟ … ألخ وكل ذلك دفعني لأن أدفع بسخاء في شراء كتب تتصل بهذه الأمور , فقرأنا مع الله في السماء والسموات السبع ونشأة الكون ويسألونك عن الروح من منظور غربي والإجابة من منظور إسلامي وقصةالإيمان ورؤية الفلاسفة , وأغرب ما لفت نظري أن فيثاغورث صاحب النظرية الرياضيةالمعروفة , هو أول من توصل أن وراء الكون وحدة واحدة لا تتجزأ , وهذا يعني أنه فلسفيا أول من أثبت وحدانية الله .
ولعل تلك الوساوس هي نفسها التي دفعتني لفهم القرآن الكريم معانيا وتفسيرات متنوعة وأسباب نزول وموافقات , وكنت أتأثر كثيرا بما أقرأ من تفسيرات وأحيانا أبكي لسبب نزول هذه الآية أو تلك , ولكن بتقدم العمر ورسوخ المعرفة أصبحت في موقف من يميز بين ما هو مقبول وبينما هومجرد تفسير يخلومن كل منطق , ومثال ذلك أنك تجد في تفسير الأمر القرآني للرسول الكريم بألا يستغفر لهم وحتى إن استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم , تجد من يقول إن الرسول الكريم كان قادما من المدينة لمكة ونزل بثنية كذا حيث قبر والدته وأخذ يبكي ويستغفر الله لها فنزلت الآية بالنهي , تألمت لذلك كثيرا وبكيت , ولكني وبالرجوع إلى المنطق لم أجد مبررا لذلك التفسير , فأم رسولنا الكريم من أهل الفترة لم تبلغها رسالة كذبت بها , فكيف يكون عدم الغفران لها , وما كان الله ليعذب أحدالم تبلغه رسالة ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا….(
المهم يبدو أن شيئا من النضج بدأ يلامسنا , وبدأنا نميزبين الغث والثمين
واستمرت المسيرة وتستمر إلاأن يوقفها الموت وتتوقف الأنفاس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب, ثقافة, خواطر, مقالات , | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























