الأخ حسن الأفندي يتحدث عن مكتبته …..

أغسطس 17th, 2009 كتبها حسن الأفندي نشر في , أدب, ثقافة, خواطر, مقالات ,

 

http://www.merbad.net/vb/showthread.php?t=14422
 
الأخ حسن الأفندي يتحدث عن مكتبته الخاصة



*
حسن الأفندي 
يتحدث عن مكتبته الخاصة 


أخي الكريم
حسن      
سلام الله عليك ورحمته تعالىوبركاته    
إذا مادعونا الأخ الكريم حسن إلى أن يحدث أهل المربد الزاهربإسهاب قدر ما يستطيع عن مكتبته الخاصة، فيا ترى ما عساه ينتقي من سحر بيانه وآسركلماته ليحدثهم من خلالهما عن مكتبته؟      

في انتظار حروف حديثك المزهرة
حياك الله

د
. عبد الفتاح أفكوح - أبو شامةالمغربي
(1)                       
  
رد: الأخ حسن الأفندي يتحدث عنمكتبته الخاصة .


أخانا الكريم الأستاذ الكبير الدكتور عبدالفتاح
السلاموالرحمة
مالك كلما أغلقنا بابا فتحت لنا آخر ؟ ألا ترى معي أ نالموضوع هذا كبير كبير ويحتاج لجهد ووقت ؟ وقد بلغت من الكبر عتيا , ولكني على كل حال لا أستطيع أن أرد لك طلبا فيه مصلحة وفيه اجترار للذكريات .
أعدك بأن أبدأ بالرد قريبا جدا وربما من الغد إن شاءالله محاولا سلسلة النقاط والأفكار ومرحلتها , فالموضوع كبير وهام , ولا أخفيك سرا بأننا في حاجة لدراسة تجارب الجميع في هذا الصدد حتى نكوّن الأسوة والقدوة الحسنة لشباب اليوم الذي لا يهتم إلا بالسماويات والأغاني الهابطة , آل إيه : وبوس الواوا وبحبك يا حمار !!!! وطبعا لا مؤاخذة ومعذرة فأنا أستحي مما ينحون إليه .
ما أحوجنا إلى سرد تجارب مثقفينا وعلمائنا فعسى ولعل أن يجعل الله بعد عسر يسرا وبعد تخلف حيا ة وحضارة
جهدك مشكور وعظيم ورائع ويستحق الإجابة منا ركضا وهرولة
دمت كبيرا ورياديا سباقا
                                             (2)
ما زلت ألهج بالشكر لك وللأخ الشاعر لطفي الياسيني , وعلى بركة الله أبدأ :
البدايات الأولي
كان السلم التعليمي أربع سنوات لكل مرحلة من مراحل التعليم العام , تبدأ بالمدرسة الأولية أو الابتدائية ثم المدرسة المتوسطة وأخيرا المدرسة الثانوية , وكان المعلمون معلمين بحق وحقيقة , يرعون أبناءهم ويغرسون فيهم حب المطالعة والقراءة منذ البدايات الأولى لحياتهم , حتى وإن كلف ذلك المعلم ان يدفع من جيبه مالا لإنفاقه على شراء بعض الكتب لبعض الطلاب ممن لهم نهم للقراءة ولإشباع ميولهم خصوصا ممن كانوا فقراء من الطلاب أو من أسر لا تستطيع توفير الكتاب للطالب رغم ظهور نبوغه ورغبته فى المطالعة والقراءة       .
وكان وما يزال بوزارة التربية والتعليم مديرية عامة تعنى بطباعة ونشرمجلتين هما الصبيان والكبار وكانتا شهريتين بغض النظر عن محتوى المجلة سابقا وحاليا , فحاليا انقطعت الصلة بيني وبين ما يجري في هذا الصدد, وكانت تصل هذه المجلات لكل المدارس فى كافة أنحاء السودان , وثمن المجلة قرشان فقط , كنا نعمل حسابنا لتوفيرالقرشين طوال الشهر حتى إذا وصلت المجلة اشتريناها ومن لم يستطع توفير القرشين , فإن معلمه يعطيه المجلة ويطلب منه تسديدها لاحقا وقبل أن يصل العدد التالي , ومن يفشل فى تسديد المبلغ , فإن المعلم يقوم بدفعه فى رضا تام خصوصا متى آمن بمصداقيةالتلميذ وفى الغالب كان المعلمون يلمون بظروف كل تلاميذهم وأسرهم , ورغم مرتباتهم الضعيفة نسبيا , إلا أن راتب أي موظف دولة كان يكفيه ويكفي أسرته ويوفر منه ويتزوج ويربي عياله , فالحياة كانت ميسرة وكل ما تحتاجه كان رخيصا . لم ندخل وقتها في فترات الانقلابات العسكرية والتخبط والتخطيط العشوائي ولم تبدأ حينها ما يعرف بالعولمة واقتصاد السوق وأثره العالمي على البلدان خاصة النامية منها.   
كانت المجلتان بهما الكثير من القصص الممتعة والأناشيدالمتخصصة التي تناسب سن الطفل وتناسب الكبار ممن فاتهم ركب التعليم فالتحقوا بفصولمحو الأمية وتعليم الكبار . وأشهد أننا بدأنا مع تلكم المجلتين , ننتظرهما شهريا مثلما يرقب المسلم الحق بزوغ هلال شهر رمضان المبارك بشوق ولهفة حبا في أداء شعيرةالصيام التي تقربه من الخالق عز وجل وتجعل منه الورع التقي        .       
مع ذلك كانت هنالك بعض القصص الصغيرة توزع علينا فى الفصول في حصة المكتبة لنطالعها ويمكن استلافها وإرجاعها لإدارة المدرسة أو مرشد الصف وفق ضوابط محددة ومعروفة       .
تلك كانت الابتدائية والتي بدأنا منها ومعها حبنا للقراءة والكتاب , وما زالت المسيرة مستمرة
                                           (3)
المرحلة المتوسطة
ارتفع بعض الشيء مستوى الكتب التي نقرأها , كما أننا صادفنا جلسة أسبوعية مسائية لأول مرة تمتد لأكثر من ساعتين يحضرها كل طلاب المدرسة , وتسمى تلك الجلسة بالجمعية الأدبية التي تهدفلإكساب الطلاب الشجاعة الأدبية في إلقاء موضوعاتهم التي يكتبونها وفي التناظر فيما بينهم , وللجمعية رئيس وأمين سر ومسئول أدبي ويشرف عليها في الغالب أحد أساتذةاللغة العربية       .
تلك الجمعية شجعتنا كثيرا فى القراءة والبحث والتقصي وكتابة الموضوعات , بل المحاضرات للمشاركة وخلقت جوا منالمنافسة بين فرقاء من الطلاب يتناظرون حول موضوع ما , كأن يقترح سؤال : هل تؤيد تعليم المرأة أم تعارضه ؟ ويتبنى فريق الموافقة وآخر المعارضة حتى وإن لم يؤمن بها , وكان لي من أصدقاء أعداء ألداء كثر , فهم أصدقاء بحكم أنهم لا يستطيعون الاستغناءعني وعن مجالستي وأنا كذلك لا أستطيع الاستغناء عن أحدهم وهم أعداء ألداء إذ يقفون دائما في الجهة المعارض لرأيى ونتناظر ولكل منا أسلوبه الحماسي الذي يلهب الأكف بالتصفيق ولكل منا أنصاره ومؤيدوه المتحمسون له حقيقة والمنحازون لجانبه , ولي مع هؤلاء الأصدقاء الأعداء ذكريات كثيرة نشرت في كتابي ليالي الاغتراب بالتراي ستاركما نشر بعض منهم ذكرياته ولم يهملوا فيها ذكري   .
لا شك أن المنافسة تقود وتؤدي في النهاية إلى الإبداع لذوي الكفاءة والقدرة        .
بجانب ذلك كانت هناك حصةالمكتبة وكان على الفرد أن يستلف كتابا يطالعه ثم يقوم بعرض ملخص له على أستاذاللغة العربية ويفترض أن يكون الملخص مختصرا مفيدا ويلقي بأهم وأبرز ما تعرض له الكتاب , وقد طلبت من أحد أساتذتي الأجلاء أن أقوم بالملخص ثم أحاول إعادة صياغةالكتاب بصورة مسهبة وبأسلوبي الخاص , فوافق وكان يراجع ما أكتب ويشجعني ويشد من أزري , فبارك الله في أستاذي الفاضل / عبد الرحيم عبد القادر وأطال عمره ومتعه بالصحة والعافية ـ إن كان حيا ـ ورحمه الله رحمة واسعة إن التقاه , فقد رأيته آخرمرة عام 1987م وانقطعت عني أخباره     .
بمناسبة هذا الأستاذ الذي كان يشجعني , فقد سبقه أحدهم وطلبني مرة وقال لي في نقاش مطوّل : هل شعرك مثلا كشعرشوقي إذ يقول كذا وكذا وهل يعادل شعر حافظ إذ يقول كذا وكذا ؟ أحبط من روحي المعنوية ولست أدري كيف يتوقع من ابن الثالثة عشر سنة أن يكون بمستوى شوقي وحافظ ؟وهكذا لابد أن ندرك الدور الإيجابي المؤثر والسلبي المؤثر أيضا للمعلم   !!!
وطبعا من بداية المرحلة المتوسطة بدأنا اللغةالإنجليزية وبدأنا نقرأ القصص بالإنجليزية من النوع المبسط (SIMPLIFIED) وبالمناسبةامتدت دراستنا للغة الإنجليزية حتي نهاية المرحلة الثانوية وكنا ندرس كافة المناهج بها إعتبارا من بداية المرحلة الثانوية طبعا فيما عدا مادتي اللغة العربية والتربيةالإسلامية ولكن العلوم والرياضيات والجغرافيا والتاريخ بجانب الإنجليزية كمنهج والأدب الإنجليزي , كنا لا نسمع في حصصها كلمة واحدة عربية       .
كما كانت في ذلك الوقت الدراسة بالجامعات السودانية باللغة الإنجليزية مما كوّن لدى الفرد منا ذخيرة ضخمة من المصطلحات والألفاظ

المزيد


لقاء حواري مع الأخ الكريم حسن الأفندي

أغسطس 7th, 2009 كتبها حسن الأفندي نشر في , أدب, ثقافة, خواطر, شعر

 

 
 
 
 

*
لقاء حواري مع الأخ الكريم
حسن الأفندي

*
علـــمـتـنيالحـــيـــاة ألا أغـــالـي
فـــالمـغـــالاة شـــيـــمـةالأنـــذال
*
علمتــــني الحــيـــاة ما مـن تـراخٍ
رغــــم أن الحــــــيــاة دارُزوال
*
علمتني الحـــــياة مــــن يتمـــادى
فى ضلال أصاب ســـوءضـلال
"عَلَّمَتْنِي الْحَيَاةُ"
شعر
حسن الأفندي
* حاوره :

د. عبدالفتاح أفكوح - أبو شامةالمغربي
aghanime@hotmail.com
قبل أن أبسط أسئلتي الحوارية شامات على جبين هذه الصفحة المربديةالمشرق، أستهل علامات استفهامي بالحروف التمهيديةالتالية:
بعد إهدائك حروف هذه الدعوة إلى هذا اللقاء الحواري، وقبل أن أرسلأسئلة هذا اللقاء محلقة بأريج زهرها الباسم، وشذا ورودها السنية في أرجاء هذاالرياض المربدي البهيج السني، أستهل هذا المقام الحواري الأزهري بالبدءالتالي:
للحرف العربي العتيق نبضجميل
لهذا الكائن اللغوي الحي أصوات، وأصداء، ونبرأصيل ثم كيف بألق الخيال؟وكيف بطعم الواقع؟
أحقا لن تفيد الكلمات المخطوطة والمسموعة في شيء يسير أو كثير؟
وكيف بالإنسان إذ يسير في ركاب الحق والخير، وقد نأى بنفسه بعيدا عن الباطل والشر، وتبرأ من شرورأهوائه ومن متاهات العبث، ومن كل أمر هزيل؟
ثم كيف بحال المرء إذ يسعى وحيدا في القيظ، يمشي ويمشي ثم يمشي غريباً لا يريد إلا الإصلاح ما استطاع إليه سبيلا،وينادي بكلماته وبأعلى صوته في قومه الرحيل الرحيل؟
*
وبعد
جميل ما قرأته لك أخي الكريم حسن من نبضات شعرية صادقة
جميل جداً ما رأيته في عيون حروفك من سناء وبهاء
جميل حقاً ما تخطه وتحرص من خلاله على إشراك أهل المربد الزاهر في النفاذ إلى جوهره بالقراءة
تعليق على مقدمتك قبل البدء على الإجابة على الأسئلة وما قبل الأسئلة :
لابد من التأكيد على أنني طالعتها لعشرين مرة , فأحسست بانبهار بما تضمنته من رفيع المعاني وعظمة الكلمة المعبرة , ولا أخفيك سرا أنني تهيبت وأنا أقرأها ويزداد تهيبي بإعادة مطالعتها , فكيف يتسنى لشاعر فقير مثلي أن يصل إلى مثل هذه الذروة فى إجاباته , خاصة وأن العمل الإداري الذي وجدت نفسي مقحما فيه منذ سنة ست وسبعين وتسعمائة وألف , قد أثر كثيرا على أسلوبي , وأنت من تدرك تماما معنى الخطاب الإداري , كما أن ما عشته منذ بداياتي الأولى من حياة قاسية وطفولة لم تعرف معنى الترف ولا حتى الكفاية , كان لها تأثيرها التكويني الغليظ إلى حد كبير ,انعكس على كتابابتي جفاء وجفافا وتصحرا , ولعل أحد فصول كتبي (دنيا الخوف) قد تعرض لتلك الظروف التي أحاطت بطفولتي , فتركتني ممتلئا خوفا حتى من العوامل الطبيعية الموسمية إلى السفر بالطائرة وأزيزها المرعب , رغم أن الاغتراب قد جعل مني ذلك العاطفي البكّاء , إلا أنه لم يفلح فى صقل مواهب البداوة والحرمان والشدة والمعاناة التى نشأت عليها وترعرعت.
سؤال قبل الأسئلة    
إذا سأل أهل المربد الأزاهر: من هوحسن الأفندي جملة وتفصيلا، فبما عساك تجيبهم شعراًونثراً؟    
أما النثر فلا غنى لي فيه وتمتلئ به المواقع , ولكني ومن رصيدي الشعري أقدم نفسي وعلى غير العادة التي جرت تتناول تاريخ ومكان الميلاد والمراحل الدراسية :   
·     الفقر ولّدني مشاعر ثورة    
               والموت أفحمها فلم تتدللِ 
·       خلّفت قلبي خلف كل جميلة
           وسهرت ليلي والجوى يكويني
·     أنا من نسل من ملكوا القوافي
           وجدي جندح من صلب حُجر
فقولي كلهُ شعر وغيري
            من الشعراء مفضوح بذكري
إذا جلس الرجال بذلت مالي
             وما حفظت يداي ببعض وفر
كأني عروة بن الورد فيها*
              وإن ظن الجميع فساد أمري
فإن أمدد يميني يوم ضيق
               لمحتاج يسر رضاه صدري
وإن تعجز ذراعي عن نوال
               أقام الحزن في قلبي وحِجري
*إشارة إلى بيته :
أفرّق جسمي فى جسوم كثيرة
             وأحسو قراح الماء والماء بارد
·     وما من عادتي ذم البرايا
               ولكــــن الخـــــبايا ذات قال
أجوّد ذم أعــــــدائي فإني
               على الأعدا أشد من النصال
خلقت لأركب الصعب المجافي
               فما عيش الوداعة من خصالي
ولم أملك كـــــنوز المال إني
                ملكـت كـــــنوز علم واختيال
وهـــــل كرّمت يوما ذا ثراء
                  وقـد ذلّت لذي علم عوالي
·     كفي يعاتبني يا شيخ إن رغبت
                 نفـسي مساعدة يثور يتهم
أني غدوت دنيئا في طبائعه
وكان كفي بفعل الخير يلتحم
·       ما طأطأت رأسي بقولة باطل  
                  أبدا ولم أنطق بغــير لساني  
·       أانساه هل فى ذاك رد جميله   
                 وذكرى بجيدي ألزمتني وفائيا 
فما صرفت عني الليالي خياله    
                وإن كان طبع الآدمي التناسيا  
أحاسيسنا ليست لنا بمدينة
                 نُســــيّرها أنى نشاء المناحيا  
هو الموت لغز غامض عز وصفه
                  لعلك بعد الموت تدرك خافيا  
ولهاجس الموت الذي لازمني قرأت كل ما كتب عن الحياة البرزخية وعالم الروح والجسم الأثيري وما يتصل بهذا أو ذاك من قريب أو بعيد, وصدق الجواهري عليه رحمة الله :
      على أني بأن يطوى غد طول السرى وجِل
· وشعري يزدحم بالكثير الذي يقدمني بصدق للقارئ الكريم , مما لا يتسع له الوقت والمقام وإن ملت إلى أبيات لها على الأقل الصدى الأقوى فى نفسي.       
سؤالي الأول      
كيف ترى اليوم من خلفوا أهل العربيةالقدماء؟تراهم أضاعوها واتبعوا ما لاترجى فائدته؟أم أنهم حفظوها وقدروها حق قدرها؟ثم كيف هو حال الشعر العربي المعاصر؟
كان العربي ذا حس فني عال وذوق أدبي مميز حقا, حتى إذا أخطأ أحدهم خطأ محتملا فى تلاوة قفلة آية قرآنية مثلا , يجد من يقول له : ليس هذا بقرآن ولا يمكن أن تكون الآية هكذا .
وأين مني الغداة نجد ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟    
وكنت أود الاكتفاء بقول لبيد :
            ذهب الذين يعاش في أكنافهم   
                    وبقيت فى خلف كجلد الأجرب  
ولكني أجد نفسي وإنصافا لبعض الأعمال هنا وهناك وبعض الأخوة أيضا هنا وهناك لابد من وقفة فيها شيء من التفصيل المختصر المفيد     .
فاللغة العربية تعاني من محنة في أهلها وبين ظهرانينهم , فأين لأهلها بالوقت للقراءة والمطالعة والمعرفة وهم يصرفون أوقاتهم فى الاستمتاع بفضائيات هدامة ,وألحان ومعان هابطة حتى وصل بنا الحال إلي         ( وبحبك يا حمار ) والعياذ بالله     , وذلك الذى غنى : بحب عمرو موسى وبكره شارون , ثم تساءل : إلا شارون دا شغال إيه ؟ لم يحافظ على العربية إلا القلة النادرة , وساءني أن تعقد ندوة على إحدى الفضائيات العربية للدفاع عن اللغة العربية والدعوة للمحافظة عليها , وإذا بمشارك منهم لا يميز بين اللُغويين (بضم اللام ) واللَغويين (بفتح اللام ), ناهيك عما يرد من أخطاء إملائية ونحوية على كل فضائية مما يزكم فعلا الأنوف ويجعل المرء في حيرة من أمره , واستمعت مرة لأحدهم من المشاهير الذين يملأون الفضائيات وله شهرة تطبق الآفاق ليقول : كان في العصر الأُموي !! وكأنه لا يعرف أنها من النسب المستثناة التي ترد فى مقدمات القواميس , إذ أن صحيحها هو العصر الأَموي بفتح الهمزة لا ضمها , وآخر ممن يديرون المسابقات الأدبية والثقافية يسأل عن بيت البوصيري الشهير : 
        أمن تذكر جيران بذي سلم   
                   مزجت دمعا جرى من مقلة بدم 
ويتحدث عنها بكل ثقة وجرأة وبوجود وزير الثقافة والإعلام ببلد الفضائية المضيفة بأن البيت من بحر الطويل لمجرد أنه نظر إلي ( أمن ) فتذكر فعو وأكمل على هذا, بينما طلاب المدارس يعرفون بأن القصيدة من بحر البسيط وبها خبن وأولها ( متفعلن) .والرجل دكتور وله شهرته بكل اسف .
رغم ذلك , فأنا أقر وأعترف بوجود فحول فى عالم اللغة والشعر , ولكن الإعلام لا يعطيهم حقهم ولا يتيح للأحياء منهم فرصة إفادة المستمع وكل منا يعلم أن الإعلام تحكمه العلاقات الشخصية والإنتماءات والاعتبارات السياسية وعدد غير قليل ممن يقومون على العمل والإدارة بالفضائيات هم أنفسهم لا يميزون بين الغث والسمين , كما أن ظاهرة ما يسمى بالشعر النبطي أو الشعبي , نشطت ولعبت دورا هداما فى مجال اللغة والشعر .     
أضف إلي ذلك معاول الهدم الأكثر إيلاما , الحداثيون فى غير معرفة ولا دراية , أنا لست ضد الحداثة ولا ضد التجديد , ولكني مع الذي يقوم أو تسنده أسس ومقومات ترقى بالعطاء وتجوِّده , فنزار قباني رحمه الله إن كتب بالعمودي أقنعك وإن كتب بشعر التفعيلة أقنعك وأطربك وكذلك شاعرنا السوداني المرحوم صلاح أحمد إبراهيم , أما أن يعتقد معظم الحداثيين أن التجديد هو التحلل من القافية والوزن وفهم الرمز على أنه الإفراط فى الغموض بحيث لا يفهم أحد مما قال شيئا بحجة أنه يكتب للنخبويين والصفوة !!!! فأمر غير مقبول ولا مهضوم , وأتحداهم أن أن يكون هؤلاء أنفسهم يفهمون معنى حقيقيا لما كتبوا !!! إن هي إلا عقد نفسية يتقيؤونها وإن هي إلا تبعية نفسية وأدبية للغرب الذي لا يعلمون عنه أنه تعلم عنا القافية وأخذ منا الكثير . بهم أحيانا أذكر الكيفية التي برزت بها للوجود لفظة ( رجعية ) كما يريها المازني , وكأن اللغة العربية أقفرت حتى راحوا يطلون علينا بألفاظ إنجليزية كالإنتلجنسيا مثلا وهم أيضا لا يعرفون أنها دخلت القاموس الإنجليزي بوساطة سواد الشعب وعاميته مثلما أصبح لفظ الخنفشار جزءا من القاموس العربي بفعل لعبة ومزاح أو قل مكيدة لأحدهم من أدعياء العالمين العارفين بكل اللغة العربية ومفرداتها :
       لقد عقدت محبتكم بقلبي       كما عقد الحليبَ الخنفشارُ
عموما أهدي لتلك الفئة من هردبيس ودردبيس وعلطبيس , قول الرفاعي عليه رحمة الله :
أيها الناطقون بالشعـر  حراً       ولكم بــه  دعـوة  طنانه
اسمعونا إن استطعتم قريضاً      لا حديث جالس في حانه
ليس شعراً وإنـما  هو شيء       فوقه الشعر رتبة ومكانـه
إنما الشعر ما  تدفـق  عذبـاً       في بنــاء  فأحكموا بنيانه
ليست الفكرة الجديـدة  تأبى     عرضها في جزالة ورصانه
 لا تحيطوا  تراثـنـا  بلهـيبٍ       في غد تكـره العيون دخانه
ومما يجدر ذكره أن العرب عرفواالرمز منذ القدم , لكنهم وظفوه بصورة راقية ترقى بالمعنى والأسلوب , وكثيرا ما أضرب مثلا بأبيات عوف بن محلم الشيباني عندما خاطب سمو الأمير محمد بن الطاهر :
        يا ابن الذي دان له المشرقان 
                    طرا وقـــد دان له المغربان
        إن الثمــانين وبلغــــــتها 
                قد أحوجت سمعي إلي ترجمان
       وأبدلــــتني بشطاط انحنا
               وكنت كالصعــــدة تحت السنان
        فـقـــــرباني بأبي أنتــما
                 إلي وطني قبل اصفرار البنان
فاصفرار البنان كناية عن الموت , وهذا هو الرمز.وخذ للرمز مثلا آخر هو قصيدة أبي فراس الحمداني لسيف الدولة :
        أراك عصي الدمع شيمتك الصبر
                  أما للهوى نهي عليك ولا أمر ؟         ألخ وتأمل …….
وأرجو ألا أكون قد أعطيت صورة قاتمة لما يجرى فى عالم اليوم , ولكني تحدثت عن السواد الأعظم ,إذ أنه هناك ومضات متميزة هنا وهناك فى كل قطر عربي ولا يختلف اثنان مثلا على الجواهري ولا على الكثيرين من شعراء متفرقين على عدد من البلدان العربية ,منهم من هو على قيد الحياة ومنهم من قضى نحبه ولم يجد من الإعلاميين المتخصصين في صناعة النجوم لتلميعهم وتقديمهم للمستمع العربي فلا أعتقد أن أحدا يعلم شيئا عن شعراء السودان الفحول الذين خطوا أروع وأعظم الأشعار , وهم كثر منهم أحمد محمد صالح والمحجوب وعبد الله عبد الرحمن وعبد الله البنا وعبد القادر إبراهيم تلودي وعبد الحميد العباسي وهلم جرجرة , معتقدا أنه حتى التيجاني يوسف بشير لم يعط حقه كما يجب , فقد ولد وعاش ومات فى نفس التاريخ والعمر والمرض مع أبي القاسم الشابي وكان فلتة شعرية وأدبية متعمقة وعظيمة ولولا جهود بعض الإخوة الكتاب المصريين الذين أصدروا ديوانه وكتبوا عنه كتابين يحللان رقة وجمال شاعر الجمال , ربما لم يكن ذكره ساريا عند النخبة العربية فقط حتى الآن !
 منوها بشدة إلي ما يشهده المغرب العربي من طفرة عظمى فى كافة مجالات الثقافة والأدب والشعر , مع اعتقادي بأن الشعراء الموريتانيين تقليديون إلي حد بعيد , بينما الشعر أنفاس وروح مع الإتيان بما هو مبتكر جذاب يهززك عند سماعه . فالشعر شعر وغير الشعر ليس بشعر حتى وإن طبل أصحابه وزمروا وإلى قيام الساعة.      
سؤالي الثاني     
هل بلغ النثر العربي اليوم بعضاً من ذروته قديماً؟ وهل أخذ المكانةاللائقة به في عالم الأدب الراهن؟
أية ذروة تعني ؟ وهل من الممكن ذلك ؟ فقط القلة ممن أثروه بما كتبوا وظلوا منارة علم ووعي وثقافة حتى ماتوا , وإذا كنا نتحدث عن عالم اليوم فباستثناء البروفيسور عبد الله الطيب عطر الله ثراه لا نجد إلا الندرة ممن يملكون ناصية اللغة والتبحر فى علومها وسيرها وأخبارها ومكنوناتها , ففاقد الشيء لا يعطيه ,       ومعظم كتابنا تجلس إليهم أو تلتقيهم عبر السماويات فتقول فى نفسك : خير لك أن تسمع بالأصمعي من أن تراه ! فعلمهم ليس راسخا كما كان الأولون وكما ظل عبد الله الطيب مثلا       . ولكني أكتب مستدركا أن للرواية والقصة العربية الحظ الأوفر في الجودة والإبداع فى العصر الحديث عامة فى مجال النثر من بعض الكتاب المعروفين والذين رحل عنا معظمهم وآخر راحليهم كان الطيب صالح يرحمه الله, وإن كنت أعتقد أن النثر غير مختصر على الرواية والقصة فقط .
سؤالي الثالث   
هل ثمة بالفعل أجناس نثرية وشعريةعربية، أم أنه الشعر والنثر وكفى؟
نعم , فالإنسان ذلك الكائن الحي المتفاعل مع من وما حوله له قدرة سلوكية تمكنه من اتخاذ مواقفومسالك مبتكرة لمواجهة واقعه وما يحيط به , وتفاعله وصراعه الدائم مع الواقع بكل أبعاده , ويرى الباحثون ومنهم الأستاذ صادق مجبل الموسوي الذي كتب مقالا مطولا عام 2005م وأتفق تماما مع ماذهب إليه وأكاد أجزم أنه كتب نفس ما كنت سأكتبه ونفس رؤيتي ولكن الرجل كفاني مؤونة الكتابة فى هذا الموضوع وأكتفي بتقديم أجزاء من مقالهالذي أحتفظ بنسخة منه ضمن مختاراتي :
أن الإنسان مرتبط أوثق ما يكون الارتباط بأربعة أبعاد في حياته ,
1 - ذاته الفردية وكيانه الخاص.
2 - جماعته الخاصة والعامة التي تتسع حتى تشمل الإنسانية عامة، بعد عشيرته ومجتمعه الوطني والقومي.
 3 - الطبيعة بكل ما تضمه من أحياء ومظاهر وخفايا وعناصر، لأن الطبيعة مكون جوهري لحياة الإنسان.
4 - ما وراء الطبيعة، إذ يتجاوز الإنسان المحسوس إلى ما فوق مدركاته المباشرة، وهو مدفوع أن ينظر إلى عوالم أخرى بحكم عواطفه وخياله وعقله، وما أتت به الأديان من عقائد وعبادات وتشريعات وتوجيهات سلوكية، خاصة الإسلام الذي هو آخر دين سماوي.
وإذا نظرنا بإمعان إلى هذه الأبعاد الأربعة التي تحكم حياة الإنسان، ولو بدت منفصلة، فإننا نجد بينها في العمق، ترابطا وتداخلا، وهناك بعد خامس مكمل للأبعاد الأربعة، يتجلى فيما فطر عليه الإنسان من تطلع مثالي يحدو به إلى توخي الأفضل ونشدان الأرقى في كل ما ينجزه.
إذا حاولنا أن نطبق ما سبق على أسباب وجود الأجناس الأدبية، وما قد يعتريها من تغير وتطور، وظهور بعض الأجناس واختفاء أخرى سنجد :
1 - كل ما يتعلق بذات المبدع، نشأت عنه الأجناس الأدبية التي يعبر بها عن تجاربه الخاصة وهمومه وأفراحه، وخبراته ومواقفه وتأملاته واختياراته، ومن هذه الأجناس: الشعر الغنائي بكل موضوعاته وأبوابه، ومنها الأجناس النثرية كالأخبار الشخصية والخطابة والوصايا والرحلة، والمقالة الذاتية، والسيرة الذاتية والخاطرة ( أنثروبولوجي)، وهذه الأجناس تتسم بالطابع الذاتي وهو العنصر البارز فيها ويتيح لها أن تنتمي إلى هذا النطاق.
2 - كل ما يهم الواقع الاجتماعي بكل نواحيه المختلفة مما هو خارج عن التجارب الشخصية للمبدع، ويهم الآخرين في تعاملهم وسلوكهم وتصرفاتهم، وكل ما يقع بينهم من صراع وتصالح وتوافق، بمعنى آخر كل ما يتعلق بالحياة العامة الجماعية في نطاق محلي ووطني وقومي أو إنساني، نشأت عن كل ذلك أجناس أدبية، منها الملحمة والمسرحية والقصة والرواية والمقالة الموضوعية والسيرة الغيرية وكل الأجناس التي يعبر بها المبدع عن الآخرين.
3 - نظرا لمكانة الطبيعة في حياة الإنسان فقد نشأ عن ذلك أدب الطبيعة بأصنافه، وهو يضاف إلى الجانب الذاتي أو يحسب على الجانب المحايد الذي نشأت عنه النظرة العلمية، والغالب أن يتماهى أدب الطبيعة مع أجناس أدبية خاصة دون غيرها مثل الرحلة، وهي رهينة بالسفر وما يتخلله من حركة وسكون وإقامة وظعن، فالرحلة على هذا الوجه مرتبطة بالمكان على اختلاف المواقع والمشاهد، وكذلك بالزمن، وتتجلى الطبيعة في الفضاء الروائي، وفي مقالة وصف الطبيعة أو في شعر الطبيعة.
4 - بما أن الإنسان مادة وروح، مزود بالقدرة على استشراق عوالم الغيب، بما أودع الله فيه من طاقات تمكنه من الخيال، وتتحكم فيه عواطفه وميوله، كما له طاقات فكرية، لم يترك مع ذلك لأهوائه أو لقدرته الإدراكية العقلية والحسية، التي مهما بلغت، فهي محدودة، رأفة من خالقه به أرسل إليه الرسل وأنزل وحيه من أجل إسعاده في دنياه وأخراه، وفي هذا النطاق نشأت أجناس أدبية كالابتهال والمواعظ وأدب الزهد وأجناس الأدب الصوفي وأدب الحياة الأخرى. وقد تمتزج هذه الأجناس بغيرها، إذ أن حياة المؤمن عامة لا تنفصل عن الجانب الغيبي سواء تعلق الأمر بأجناس الأدب الذاتي أو الغيري. وقد تسخر أجناس أدبية لخدمة العقيدة والشريعة الإلهية بمقاصدها النبيلة الدنيوية والأخروية. إننا حين نمعن النظر فيما تقدم عن حياة الإنسان نجدها وحدة لا تنفصل في العمق، وإن بدت منفصلة في الظاهر. فالحياة الفردية مرتبطة بالحياة الجماعية والفرد والجماعة مرتبطان بالطبيعة وبما وراء الطبيعة والحياة الدنيا لا تنفصل عن الحياة الأخرى.
يضاف إلى ما سبق أن حياة الإنسان الدنيوية محكومة بالزمن الماضي والحاضر والمستقبل، أما حياته الأخرى فهي أبدية. والأجناس الأدبية محكومة بهذا المقياس الزمني والمكاني أيضا. فهي إما أن تتحدث عن ماض أو حاضر أو مستقبل أو تمزج بين هذه الأزمنة غالبا.
أما البعد الخامس المشار إليه فيما تقدم والمتجلي في رغبة المبدع في بلوغ الكمال وتحقيق المثال، فهي التي تدفعه إلى بذل كل جهد لديه لتحسين أي عمل ينجزه. إن تطلعه إلى أن يكون عمله في أعلى درجات الإتقان والإجادة، ظاهرة ملازمة واضحة عبر العصور، إذ أن إنجازات الإنسان لم تكن أول الأمر إلا بدائية وساذجة ثم سارت في سلم الرقي استجابة لنزوع مثالي في أعماقه. إلا أن ذلك محكوم بمتطلبات كل عصر ومثله وقيمه الجمالية والفكرية والدينية، فالإبداع في مجال العمارة مثلا وصل إلى درجة عالية من الضخامة والفخامة في فترات، وفن النحت حقق الذروة كذلك لدى اليونان والرومان، وفن الملاحم بلغ مكانة مرموقة لدى هوميروس وكذلك الرسم حقق أروع مثال في عصر النهضة وما بعده، وهكذا..
إن كل إنجاز فني يبدأ ساذجا ثم يتولاه الإنسان عبر عصور بالصقل والإجادة وضروب التحسين، ثم قد تطرأ عوامل تدعو إلى اختفائه أو دمجه في فنون أخرى، وهكذا نجد أن الإنسان عبر مسيرته الحضارية قد تنبه، سواء تعلق الأمر بأجناس الأدب المختلفة أو بغيرها، إلى أن وسيلته لتحسين إبداعه هو فحص ما أنجزه ليقف على مكامن الإجادة أو القوة أو مماثلة غيره، وكذلك ليعرف مواطن الضعف والتقصير والنقص. فتولد عن كل ذلك ما صار يعرف بالنقد الأدبي أو الفني كما تولد عنه تاريخ الأدب وتسجيل حياة أعلامه وكل ما يتعلق بدراسة الأدب سواء تعلق الأمر بقضاياه أو اتجاهاته ومذاهبه وخصائصه الفنية.
بهذا التصور العام للعوامل المختلفة والحوافز النابعة من أبعاد نفسية واجتماعية معقدة ومتداخلة، ندرك من كل ذلك الأسباب الكامنة والفعالة التي أدت إلى ظهور الأجناس الأدبية وتعددها، ومن الميسر أن ندرك من خلال ذلك- أن هناك أجناسا يظهر بعضها لم يكن له وجود سابق، وبعضها يختفي بعد أن كان له حضور قوي، وبعضها يتغير ويظل حاضرا، فالمقامة لم تكن موجودة قبل العصر العباسي ثم طرأت عوامل شتى اجتماعية وثقافية يسرت ظهورها وأعقبت ذلك عوامل استجدت وعملت على اختفائها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الرحلة إلا أنها ظلت حية مع ما لحقها من تغيير في الأدب الحديث. وفي عصرنا يعلم الجميع ما انتاب المجتمعات العربية من يقظة، وما جد من نظم ومؤسسات وآليات، وما وقع من تغيير في بنيات هذه المجتمعات واتصالها بثقافات أخرى، فاقتضى ذلك كله ظهور المقالة والمسرحية والقصة والرواية مجاراة لواقع بعلاقاته وتطلعاته الجديدة وثقافته.
لحصر هذه القضية إجمالا يبدو أن هناك ثلاثة عوامل فعالة في ظهور واختفاء وتغيير الأجناس الأدبية:
1-متطلبات كل عصر وقضاياه المختلفة.
 2-التقاليد الفنية الموروثة والمستجدة.
 3-القدرات الإبداعية للمنشئين وما لديهم من عبقرية ومدى استيعابهم للموروث وما لهم من تطلعات.
ـ القضية الثانية التي تعد من صميم نظرية الأجناس الأدبية، هي التي تتضمن الإجابة عن السؤال الآتي: ما أسس تصنيف الأجناس الأدبية؟
لقد تعددت الإجابات واقتراحات الحلول، منذ أن أفضى أرسطو بإجابته التي بناها على فلسفته الخاصة بالفن، فحواها أن الفن محاكاة للطبيعة والإنسان، إلا أن هذه المحاكاة تختلف أداتها باختلاف الفنون، ويتميز الأدب عن غيره من الفنون باتخاذه اللغة أداة له، ثم نجده يصنف الأجناس الأدبية إلى ملحمة وتراجيديا وكوميديا (وكثيرا ما ينسب إليه التقسيم الثلاثي المعروف الملحمي والدرامي والغنائي ثم أضيف فيما بعد التعليمي).
وقد بنى هذا التقسيم على أساس الموضوع وطريقة استعمال اللغة وأساليبها وصيغها ووظائفها. جل النظريات التي تناولت قضية تصنيف الأدب إلى أجناس لا تخرج في تفسير وتمييز هذه الأجناس وتصنيفها، عن النظر إلى الموضوع أو المضمون أو الأساليب والصيغ والبنيات الداخلية أوالطول والقصر والهدف.
لبيان ذلك بصورة مجملة يبدو أن القصيدة الغزلية تختلف عن المادحة أو الهج

المزيد


من قارئة……..

مايو 13th, 2009 كتبها حسن الأفندي نشر في , أدب, ثقافة, خواطر

———————————————
من قارئة……..
 

 

تعليق مبدئي : متى كان رصيد التجار مالا وحلالا وقصورا وسيارات فارهة تجوب الشوارع ومعية وخدما وحشما , فإن رصيد أمثالنا وسطوتنا وجاهنا أقلام وحروف ومعجبون ومعجبات , هم كل حيلتنا وذخيرتنا , سمعة ممتدة ذائعة , وكما يقولون الاسم شائع والبطن جائع , وكم يسرني ما أتلقاه من أخوة وأخوات من تعليقات تواسى النفس وتذهب الحزن وما أكثرها , ولكن لا أدرى لماذا استوقفتنى هذه الرسالة بالذات التى تلقيتها من قارئة أعلم عن ثقافتها وذوقها وحسها الأدبي والفني مما يجعلني فخورا بما كتبت تقول :
 
الأخ  العزيز شاعرنا الفاضل   /أبو نهى
 تحية  خرطومية بقدر حبك للخرطومعلها تصلك وتجدك قى قمة السعادة والهناء  م

المزيد


يميل : يا حلبي يا بايخ

نوفمبر 8th, 2008 كتبها حسن الأفندي نشر في , أدب, ثقافة, خواطر, مقالات ,

إيميل : يا حلبي يا بايخ

فتحت كعادتى كل يوم صباحا ومساء الإنترنت لأقف على مجموعة الرسائل التى تصلنى من الشرق والغرب , فإذا بى أجد صباح يوم الخميس 6/11/2008م عنوان رسالة استوقفنى : يا حلبي يا بايخ , فتحت الرسالة وظننت أن أحد زملائي من أيام الدراسة أو معارفى يريد أن يمزح معي ولو أن المزاح بهذه الصورة قبيح منكر ولكنه أحيانا يكون بين الزملاء والأصدقاء ربما مقبولا إلى حدما , فقد انتهت منذ عهد بعيد على ما كنت أعتقد مثل هذه الألفاظ النابية والعنصرية من مجتمعنا المترابط الأخوي المتكامل , ولكن يبدو أن اعتقادي لم يكن فى محله وأن مظاهر التخلف والرجوع إلى الجذور القديمة ما زال متغلغلا حتى فى نفوس بعض من يفترض أنهم شباب يحملون لواء الثقافة والعلم والتقدم والفهم والتصحيح !

كان الإيميل محتواه بالضبط عن طريق نسخ ولصق وبعنوان يا حلبي يا بايخ : بالرغم من شعرك الجميل إلا أن مقالاتك بايخة خصوصا عبارة الشاعر السوداني دي. يا خي إنت قايل نفسك براك سوداني

تعجبت جدا مما قرأت وكتبت ردا متزنا فى تلكم اللحظة إلى المرسل شكرته فيه على إطرائه لشعري وعبرت له عن أسفي لما قرأت من سطوره من عنصرية بغيضة وعللت لماذا أكتب بقلم الشاعر السوداني / فلان الفلاني , كان ردي مقتضبا جدا وفى أسطر قليلة وعملت على توثيق رسالته من جانبي كما دعانى فضولي أن أعرف شيئا عن المرسل , وجدته فى الخامسة والعشرين من العمر , يعمل موظفا أو هكذا يزعم, له تعليق واحد من قبل على رسالة أحد الأخوة كاتب بالصحف السودانية الذى تناول بالتحليل الانتخابات الأمريكية وما لأوباما وما لماكيين , موضوعه جيد ولكن هذا الشاب لم يفتح الله عليه إلا بتعليق يقول للأخ كاتب التحليل : سخيف كالعادة وممل !

أسلوب استفزازي تماما مثل أساليب بعض النفر من فئة معينة تلجأ إليه أحيانا لتخرس بعض الأقلام أو بعض الألسنة , حماية لنفسها ولمن تمثله , ولكن ذلك كان أسلوبا فى عهود أو أزمنة غابرة أكل الدهر عليها وشرب ونام واسترخى فى ظل التقنية الحديثة والعولمة وقروية الكرة الأرضية , وكما قال مرة السيد فخامة الرئيس المصري وهو يخطب فى شعبه قبل أعوام وسمعته مصادفة : الآن لو ضربت واحد على قفاه , تجد  ANB و BBC ومية محطة تتناول هذا الحدث وتفخمه , لم يعد العالم كما كان من ذى قبل . وفى هذا كان السيد فخامة الرئيس المصري حكيما وواقعيا إلى درجة كبيرة . وهذا لا ينفى وجود تجاوزات من البعض ممن لا يقدرون المسئولية ولا يحسبون حسابا للنتائج وما يترتب على تصرفاتهم , وقد نصحت مرة أن يتق الله الجميع فى أنفسهم وغيره وليعلموا أنهم إليه راجعون وأن كل نفس ستجزى بما كسبت من مثقال ذرة خيرا أو مثقال ذرة شرا . وأحمد الله أن المرسل لم يقل لى بعد : وإنت مالك ومال السودان , هو إنت سوداني أصلك ؟ وقبل أن يقولها أؤكد بأنى من مواليد شمال السودان , وجدت أمي وأبي بالسودان وزرت قبور جدى لأمي وجد أمي أيضا بمقبرة قديمة مهجورة شمال مدينة أرقو تسمى ( هاجنتو) , كما زرت قبر جدى لأبي بمقبرة قديمة بمدينة دنقلا , ولا أعلم أين دُفن والد جدي من أبي ؟ عموما دفن أبي ودفنت أمي بمدينة أرقو مثلما دفنت توأمتي , ويرقد أخي الأصغر منى سنا بمقابر أحمد شرفى بينما ترقد ثمان أخوات أخريات وبعض بناتهن وأولادهن بكل من مدينة ود مدني وبأحمد شرفي وبمدينة دنقلا وبمدينة أرقو , شهادة ميلادى تقول إننى مولود بمدينة أرقو بالسودان , ولعل البعض يستغرب لماذا أتحدث عن ذلك , ببساطة أقول أن مثل هذا الزعم : إنت مالك ومال السودان , إنت أصلك سوداني , قيلت من قبل لغيري .

لنعد لمناقشة رسالة الشاب التى تنضح حقدا وكراهية لا مبرر لهما , وإن زعم أنه منصف

المزيد


سلسة مقالات : ياهو دا السودان ـ 5

أكتوبر 14th, 2008 كتبها حسن الأفندي نشر في , أدب, ثقافة, خواطر, شعر, مقالات ,

سلسة مقالات : ياهو دا السودان ـ 5

حتى البنات ….. شالن طارات – بين زمنين

 

 ( ورفعنا لك ذكرك ) صدق الله العظيم

وعلينا أن نعزره وأن نوقره فهو (ص) من مدحه الله سبحانه وتعالى بأنه على خلق عظيم بتأكيد مغلظ , وهو الرسول والنبي الوحيد الذى أقسم الله سبحانه وتعالى بعمره   ( لعمرك إنهم فى غمرتهم يعمهون )

عظيم جدا أن نسعى كلنا كمسلمين لتعظيم الرسول (ص) ورفع ذكره كما أمرنا الله سبحانه وتعالى وأن نمدحه بما يستحق وما يليق بقدره العظيم وخلقه الكريم وعظمة مقامه . ولعلى من حبي الشديد له (ص) قد أنشأت كتابا كاملا من أشعاري عنوانه ( الصفا والوفا فى مديح الحبيب المصطفى) جمعت فيه كل أشعاري الإسلامية وهي كثيرة ربما زادت عن الثمانين قصيدة منها ما تتسابق إليه المواقع الإلكترونية وتنشره كأرق الأشعار فى مناجاة العزيز الغفار ومنها أعذب ما قيل فى مديح الرسول الكريم وأجد فى كل صباح جديد موقعا جديدا يقدم شيئا من أشعاري هذه, وأخذ منه منشدان أحدهما خليجي قصيدة ( روحى هنالك لا هنا ) بالإضافة إلى قصيدتين أخريتين هما وطنى ويا أبى , أما الثانى فعراقي من الفلوجة الباسلة الصامدة الذى أنشد قصيدتى خواطر صائم وقدمها للفضائيات والمواقع المتخصصة فى الإنشاد فى رمضان المنصرم . هذا فقط للتوضيح المبدئى من موقفى من أشعار المديح , فالكاسيتات والأقراص المدمجة تباع فى الأسواق وتحمل اسمى وشعري . أقول ذلك حتى لا يرمينى أحدهم جزافا بتهمة باطلة أنا منها براء , لأنى أكتب من موقع الحب لرسول الله (ص) وللنصيحة لغيري كما يجب أن يكون المسلم ناصحا وأمينا لا يعرف مينا ولا نفاقا ولا مجاملة فى الحق , كحد السيف بتارا , أخطأ سيدنا عمر بن الخطاب الذى أتت موافقات الكتاب الكريم له فى ثمانية عشر موضعا وموقفا بينما أصابت امرأة ! ومن أكون أنا إذا كان الشيخ العالم العلامة القرضاوي يتعرض لحملة مسعورة تصفه بالصابئ وتطالب الأزهر بسحب لقب الشياخة وخلع عمامته , وزمن غريب وعجيب نحياه ورب الكعبة . أصبحنا فى حال يرثى لها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم , فبينما الناس تبتكر وتخترع وتتعلم وترسل المراكب الفضائية للكون الفسيح والكواكب البعيدة , أصابتنا نحن أهل العلم والمعرفة وكتاب (اقرأ) سفسطة غريبة وردة نحو جاهلية جديدة وأمية لا ترحم , نختلف فى الصغيرة والكبيرة ونشغل أنفسنا بأمور جانبية لا تقدم ولا تؤخر ولا تفيد وإنما تضر بوحدة الأمة العربية والإسلامية .

بداية لابد أن أقرر هنا أن :

·   اللهجة السودانية أو العامية السودانية بالأحرى لها خصوصيتها ولا يستطيع أحد أن يستوعبها أو ينطقها نطقا صحيحا وسليما مثل أهلها , وحتى السودانيون من أبناء المدن بالذات وممن لم يختلطوا بالغبش ويطالعوا أشعارا شعبية ومسادير لا يستطيعون حتى فهم الشعر الشعبى السوداني , وكي أكون صادقا فأنا مثلا لا أفهم الكثير من شعر الحاردلو على سبيل المثال لا الحصر , وكان الكثير من شعر حاج الماحى غريبا علي حتى كببت على مطالعته ودراسته والاستماع لأولاد حاج الماحى فأصبحت ممن يفهمون إلى درجة معقولة شيئا من أشعاره وأقواله ولا أزعم بأن لي علما محيطا فيما قال هذا العالم الكبير الأمي النشأة المبتكر الخلاق المبهج . وقد صادف أن حصل لي موقف طريف مع الشاعر المرحوم خالد أبو الروس , كان يجلس فى مكتب مدير مدرسة تلودى الثانوية , وكنا نتحدث عن الشعر والمعانى والثقافة السودانية , وربما لاحظ الرجل أني نطقت لفظة ( حجا ) بطريقة غير سليمة فلربما كسرت أو رفعت الحاء لا أذكر وكنت وقتها شابا يافعا غير راسخ فى هذا المجال وفى غيره من أساسيات وفروع المعرفة عدا علم أو منهج الرياصيات وشيء من فنون الأدب العربي والثقافة العامة , ظن والله أعلم وللوني بأنى أحد مواطني مصر الجارة الشقيقة ممن يعملون بالإعارة أو التعاقد بالسودان , وأنا كما أسلفت فى مذكراتى وكما كتب أحد قضاة الخليج الشرعيين عندما ذهبت إليه لاستخراج توكيل شرعي لابن خال لي ـ يرحمه الله ـ لاستلام قطعة أرض نيابة عني , ( مثل أمامي السوداني العاقل الرشيد أبيض اللون …….) , وأخذ على هذا الظن الأستاذ خالد أبو الروس يشرح لي بأن اللفظة سودانية بحتة وتعنى كذا وكذا ….. وقد استمعت إليه دونما إبلاغه باعتراض أو مجادلة أو نقاش وكأنى لا أعلم معناها وكأنى استفدت من قوله بينما كان داخلى يبتسم . وأنا أومن معه بأن غير السودانيين حتى وإن كانوا من مصر الشقيقة وأقرب الناس إلينا , إن نطقوا أو تغنوا أو مثلوا بلهجة سودانية بحتة , فإنى على الأقل أحس بغرابة نطقهم عما ألفته سودانيا , فإذن لا يصلح بأن يؤدى أغنية أو قصيدة مديح بالعامية السودانية غير السودانيين أنفسهم, وقديما قالوا ( سمح الغنا فى خشيم سيدو ) وهذا يعنى أن الغناء يبدو جميلا على لسان أهله والخشم طبعا بالسودانية يعنى الفم وليس الأنف كما فى بعض الدول العربية , ولعلنا أقرب للصواب , فالفم هو المدخل الرئيس للبطن والصدر من جسم الإنسان وليس الأنف وقد عرفت العرب الأنف بالأنف حتى أن قبيلة سميت بأنف الناقة , وعاب عليها خصومها ذلك , فتولى شاعرها الدفاع عنها ببيته الشهير المعروف :

هم الأنف والأذناب غيرهمُ       ومن يساوى بأنف الناقة الذنبا ؟

·   نقطة ثانية لا مفر من الوقوف عندها , فقد عشنا منذ ولادتنا على صوت وقصائد الشيوخ حاج الماحى وأبى شريعة وود حليب ومادحين معروفين ( ود سعيد يا حليلو ود سعيد يا حليلو , التى كنا نبكى بها صغارا ونحن نستمع إليها ) … ثم عاصرنا ـ كما نرى ـ حبيب رسول الله (ص) الشيخ المغفور له بإذن الله السمانى أحمد عالم , مدح رسول الله (ص) بصوت عذب جميل وبقصائد منتقاة عظيمة أهمها ما أخذه عن البرعى اليمانى ( يا راحلين ) و :

لكنها علمت وجدى فأوجدها     شوق إلى الشام أبكانى وأبكاها

ويملؤنا الوجد وتذرف دموعنا , ولا أعتقد أن هذا العاشق لرسول الله (ص) مدحه ليكسب مالا فى يوم من الأيام , كانت لي معه تجربة عرفته فيها عن قرب , وإنى لأشهد له أمام الله بأنه أعلى من ذكر رسول الله عشقا وهياما ووجدا وحبا خالصا وخاصا.

ثم تأقلمنا على قصائد الشيخ الجليل المرحوم عبد الرحيم محمد وقيع الله البرعى السوداني وفرقته الرائعة وتعايشنا متجاوبين مع المادح المتميز الرائع اسماعيل محمد على يهزنا بلح المدينة وسيرة أحمد يا حبيبى …….. وآخرين إلى وقت قريب يضيق المجال بذكرهم و ولعلي أن أذكر هنا أني لاقيت أحدا ممن نسميهم بالدراويش وممن يلبسون الجلابية الخضراء المرقعة بألوان تآلفنا عليها وأصبحت سمة ومظهرا مميزا لهم بسوق الجلود بأم درمان وأنا أشترى بعض الهدايا من الجلد السوداني قبل عامين لبعض الأصدقاء والأسر الكريمة  فى دولة المهجر , وقف قربي وأشجاني بصوت متميز عجيب ومعان عظيمة تضمنتها بعض الأبيات مدحا للحبيب المصطفى (ص) وأطربنى حتى أحسست بأني بت ثملا لما أسمع , وكدت أن أحتضنه حبا وإكبارا لولا شيء من حياء .

هكذا كنا وكان حالنا , ولكن تأتى الأيام ربما بما نشتهى أو لا نشتهى !

كثرت فى الآونة الأخيرة القنوات السودانية الفضائية وهذا فى حد ذاته نشجعه ونسنده ونسانده على الأقل أدبيا إذ لا قدرة لنا على المساندة المالية ولا العينية أيا كانت , ولكن بتنا نرى عجبا :

·       جلاليب غير مألوفة المنظر بالنسبة لنا وكمات أو طواقى كذلك ولا تمثل مظهرنا السوداني .

·   غير سودانيين يحاولون إنشاد قصائد الشيخ حاج الماحى مما يبدو المديح على ألسنتهم غريبا ومستغربا بلهجة لا تنم عن خصوصيتنا.

·   بعض المادحين يؤدون الأناشيد مصحوبا بما يشبه الرقص , منهم من يتثنى ومنهم من يلعب رقصة الكامبلا ومنهم وكأنه مصارع بينما آخرون لا حيوية فى أدائهم ولا نشاط .

·       معظم المطربين الذين تعودنا منهم سماع الغناء السوداني , تحولوا بقدرة قادر إلى مدّاح !

·   الكلمات نفسها للمدائح والمعانى والوزن الشعري

المزيد


يا لك من ضيف ثقيل

أكتوبر 10th, 2008 كتبها حسن الأفندي نشر في , أدب, ثقافة, خواطر, مقالات ,

يا لك من ضيف ثقيل

كنت دائما أتمثل بقول الشاعر :

فلما ظهر الشــيب فارقـــننى          سراعا إلى مورق ناضر

فيا شيب ما أنت نعم الجليس         ولا مـرحبا بـك مـن زائـر

كنت أبكى أن الحسناوات ما عدن ينظرن لمثلى فى هذا الشيب ولا يبدين إعجابهن بي مثلما كان فى سابق العصر والأوان , وأصبحت أسمع منهن يا عمو ويا خال وهي تغيظنى جدا وتشعرنى وتحسسنى بأنى قد كبرت وشخت وأصبحت على بعد خطوات من الموت , وكم سخرت ممن قال :

إن تكن شابت المفارق منى       فالليالى تزينها الأقمار

وأظن أن فى ذلك خداعا للنفس وضلالا كبيرا وهروبا من الحقيقة المرة , لا أرى فى الشيب وقارا ولا أعترف به حتى مظهرا , وكنت داخل نفسى أحس بأني ما أزال ذلك الشاب الغِر بشباب طيب رغم الشيب ورغم تقدم العمر ومرور السنوات فى سرعة برق مذهلة , وسرعة البرق أضعاف سرعة الصوت بمائة ألف مرة كما يقول الفيزيائيون , ولذا فنحن نرى البرق ثم نسمع فيما بعد صوت الرعد . ما أسرع العمر وما أقصره حتى وإن وصل الألف عاما ! لا أريد أن أذكر بقولة سيدنا نوح عليه السلام , كانوا عمالقة طولا وعرضا , فما بالنا نحن الأقزام ولادة آخر الزمان !

واليوم جئت معترفا بأن الشيب ليس نذير نهاية ولا موت ولا ضرر منه ولا به , وأننى كنت مخطئا فى تفكيري , فلكل مرحلة من العمر لباسها ومظهرها وأدبياتها , وليس بالضرورى أن تجد حولك الجميلات الحسناوات من المعجبات وليس من الأهمية بمكان أن تكون جاهزا للزواج حتى بعد الشيب ومرور عقود من العمر , المهم أن تكون داخل نفسك مقتنعا بأنك حي تقاوم فى الحياة مشلكلها وآلامها وتحدياتها وأن تكون مشاركا متفاعلا مع الأحداث , شهما ذا مروءة ويد طولى فى الخير طبعا , لا أن تصفع بها عباد الله ولا أن تدنسها بعذاب الآخرين حتى وإن كنت تقدر على ذلك , ومن هنا وجبت علينا محاسبة الذات وجلدها فى هذا الموقف بالذات ولنتذكر بأن هناك يوما يجمع الله فيه الناس , ذا هول وشدة وسؤال ومحاسبة , ولذا لزم التنويه والوعظ خاصة لمن يعملون فى الشرطة فى الدول العربية والإسلامية وأجهزة الأمن عامة , فليتقوا الله فى أنفسهم وغيرهم وليقولوا قولا سديدا , وهذا ليس اتهاما منى لهم , فالكثيرون منهم آدميون يقدرون المسئولية , ولا تجنيا على أحد منهم , ولكنى أكتب من باب ( ذكّر) ومن باب العظة والموعظة لا أكثر ولا أقل , ولعلى اخترت هذين المسميين لأنهما بالفعل يملكان مقومات وعناصر الردع المشروع وغير المشروع , ويمكن استغلال النفوذ المغرى فيما لا يكون فى رضاء الله ومخالفا لكل الأعراف وحقوق الإنسان , ويمكن توظيف هذه القدرات لما فيه خير ومصلحة الآدميين .

كنت رغم الشيب المبكر أعمل كالحصان تماما رغم نحافة جسدى , يتعبنى قلة العمل وعدم التفكير فيما أعمل , لابد من العمل على أن أعمل شيئا موفقا فيه أو غير موفق حتى أننى قمت مرة بفك ماكينة سيارتى وإعادة إعمارها, وبالمناسبة فأنا خبير فى سيارات الفلكسواجن الكاب , فقد كانت سيارتى الأولى والأولى تحلو وإن كانت محلة , وعاشرتها بحب ثم تخليت عنها وعدت إليها مرة أخرى ومرة ثالثة وما زلت أحن إليها طرازا أثيرا لدى نفسى . مالى وللشيب ولومه , فما لى فى ذلك حق ولا حقيقة , هو فقط وقار وقار رغم أنه بعض نسيج الكفن المقبل , ولعلى قلت ذلك فى أكثر من قصيدة , أشهرها (طار غرابى) و( رسالة إلى الكبيسي) .

رب يوم بكيت فيه فلما انقضى بكيت عليه

ما كنت أعلم أن فى غير الشيب الألم والمعاناة الحقيقية , عانيت من الشيب فقط لألفتى بالشباب وسواد الشعر :

خلقت ألوفا لو رجعت إ

المزيد


وداع الختام أو ختام الوداع

أبريل 27th, 2008 كتبها حسن الأفندي نشر في , أدب, ثقافة, خواطر, مقالات ,

وداع الختام

 

   عزيزتى هنادى

   وداع الختام أو ختام الوداع يستويان فى نفسى , و يكفينى أنى استطعت بعد جهد و مقاومة للنفس من أن أنفذ قرارا اتخذته فى الستينيات , و رأى قرارى الواقع أخيرا و كلى أمل فى أن يرى النور يوما ما , و أن يحقق الهدف المنشود منه , و أن يلقى بأشعته و أضوائه تجاهك , و أن تجدى مكانا فى ظلاله الوارفة ترتاحين إليه , رغم مرور الزمن و رغم مرارة الأحزان .

   أقول وداعا على أمل لقاء آخر ثانية , فعسى أن تمتد ليلات العمر وأيامه وسنواته , و عسى أن أغالب النفس فأكتب من جديد ما أسقطته عمدا من موضوعات و ما أغفلته من رأي , و ما أكثر ما أسقطت و ما أكثر ما أغفلت من فكرة أو موضوع , و من يدرى فلعل الأيام تسمح لى بلقاء جديد , و تفسح لى حظا جديدا؟

   سطر هشام ذلك و بدأ ينشد قول الأخطل الصغير :

خبروها  إذا  أتيتـم  حماها     أننى مـت فى الغـرام  فـداها

و اذكرونى لها بكل جميـل     فعساها أن تبكى علي عساها

و اصحبوها لتربتى فعظامى    تتـمنـى أن تدوسها قـــدمـاها

و تلفت يمنة و يسرة و كتب :

أشهد أنى دخلت هذا العالم أجهل كل شيء , و سأخرج منه جاهلا بكل شيء و لكل شيء , صفر اليدين مثلما دخلته , أحمل فيهما حفنة ريح , و عذبتنى ليالى العمر و أيامه , و لكن , لو خيرت بين استمرارية الحياة أو الموت , لما اخترت إلاها , خاصة أنى لا أحس أنى فى مأمن من التبعة و غوائل السبيل بعد الموت ـ كما يقول صديقى أبو العلاء المعرى , و كم أحسب ألف حس

المزيد


وظننته عودا حميدا

أبريل 27th, 2008 كتبها حسن الأفندي نشر في , أدب, ثقافة, خواطر, مقالات ,

وظننته عودا حميدا ….

   ها هي أيام العمر تمتد بى , و هأنذا أعود لأكتب ثانية , و الله الموفق , بعد توقف عن الكتابة دام قرابة العقدين من السنوات منذ كتابة آخر صفحة فى كتابى ليالى الإغتراب , الجزء الأول , و أقرر هنا أنى سأكتب بلا خطة مسبقة و تخطيط مسبق , فالأحداث و الظروف و الملابسات كفيلة بأن ترسم الخط الذى أنهجه , ما يهمنى أنه لابد أن أسجل هنا استمرارية حياتى و أحداثها , و ما أعظم ما فيها من أحداث و حوادث و أشياء تعتبر فى حكم بعد ثالث أقف أمامه حائرا !

   تبقت لى ثمانية أشهر بالتمام و الكمال لأعود للعمل لحكومة السودان , بما فيها الإجازة السنوية , و كان علي أن استلم عملى فى مطلع سبتمبر 1987 , و فجأة يقع اختيار أحد الأخوة العمانيين من أصحاب المدارس الخاصة المبنـية على أحدث طراز, على شخصى الضعيف لأكون عميدا للمدرسة ذات المراحل المتعددة , و ذلك فى ديسمبر 1986 , و يبدو أن الخلاف نشب بيـنه و بين مدير إدارتى دون علمى حول الموقف , ووصل الأمر  إلى معالى وزير التربية و التعليم , الذى وجه بعرض الموضوع علي و أخذ رأيى , ووُجهت إلى الطائرة إلى مسقط , و زرت المدرسة , فرأيت عجبا , وسائل تعليمية و أحواض سباحة و مسرح أعد بصورة لا تقل ـ إذا لم تزد ـ جمالا و حسنا على مسرح قاعة الصداقة المشهورة بالخرطوم , و مكتب فاخر جدا لى و سكرتارية و أجهزة كمبيوتر للتعامل بها و معها فى تسيير كل معاملات المدرسة , و طاقم استقبال من الفاتنات الحسناوات , براتب الدرجات الخاصة و سيارة و منزل مؤسس من الملعقة إلى التليفون إلى حجرة الجلوس و حجرة النوم و كل اللوازم المريحة , و لكن إحساسى و ميلى إلى الرجوع إلى السودان كان يسيطر علي و يجعلنى أسير قرارى , و فعلا رفضت كل ذلك و عدت إلى إدارتى ريثما تنقضى شهور العمل و تحل إجازتى السنوية , و أعود لأعيش حياتى السابقة بين الأهل و الخلان و الأصدقاء و المعارف , خاصة و أن الظروف التى أجبرتنى على مغادرة السودان فى البداية قد زالت و رمى التاريخ بجعفر النميرى و أجهزه أمنه فى مزبلته .

    كنت أتمنى أن أذكر الأسباب الحقيقية وراء هجرتى , وأعتقـد أن الأوان قد حان لذلك , فبجانب فقدى لعزيز علي و صديق كان لى سندا و أبا روحيا و تحدثت عنه فى الجزء الأول , و أبنت ما شعرت به من وحشة و غربة بعد رحيله , أعنى الأستاذ الشاعر الصديق عبد القادر إبراهيم تلودى , كان هناك سبب أقوى للتفكير جديا فى الهجرة , و ربما أسباب .

    كان المعلمون بالمرحلة الثانوية يفدون سنويا لتصحيح الشهادة الثانوية من مختلف أقاليم السودان , و كان التصحيح يتم بالخرطوم , و يلاقى المعلمون مصاعب و متاعب فى السكن و الترحيل , و كنت أحد المصححين للرياضيات أتواجد بينهم ,و أسمع ما يقولون و أنقل تعليقاتهم و تفكيرهم و رؤيتهم للجنة نقابة المرحلة الثانوية التى كنت عضوا فيها , و ذلك من خلال اجتماعاتها الأسبوعية , و تقدمت بمشروع أن تأخذ النقابة الأمر بالجدية اللازمة و أن توفر للقادمين من الأقاليم السكن المريح من سرير و فرش ووسادة و خدمات مع المواصلات , خاصة و أن النقابة ثرية و لها فصول اتحاد المعلمين التى تدر أرباحا سنوية غير قليلة بفضل جهود المعلمين , و كان لزاما أن تخدم هذه الأموال أصحابها الحقيقيين , و لكن مشروعى استقبل بسخرية و استهزاء , لم يجد الأذن الصاغية و لا الجدية المطلوبة , و قد اتهمت مرة من قبل أحد أعضاء المجلس بأننى سنة أولى نقابة على حد تعبيره , و ذلك عندما تقدم بمقترح بصرف مبلغ ســتة و ثلاثين جنيها سودانيا شهريا لكل عضو مقابل المواصلات لحضور الاجتماعات , و كان رأيى أن ذلك لا يجوز إذ من المفترض أن يكون العمل النقابى تطوعيا لخدمة زملاء المهنة , و هكذا كان رأيهم فيما قدمت من مشروع إسكان و ترحيل و خدمة المعلمين القادمين من الأقاليم ! و تطور الموقف و بدأ البعض من المعلمين يجمعون التوقيعات لإسقاط النقابة , و تمت مواجهة عاصفة بدار المعلمين , سفهت فيها الآراء و تبودلت فيها الاتهامات , و كل ذلك لم يغير من حال المعلمين و معاناتهم فتيلا .

      و جاء موعد التصحيح أو أوشك للعام التالى , و فكر القياديون الكبار من ذوى المناصب النقابية التى يخافون عليها و يحسبون ألف حساب للمحافظة على كراسيها و بكل الأثمان , تبنوا نفس الفكرة التى رفضوها أنفسهم العام المنصرم , و كلفونى بجانب زميلين عزيزين لتنفيذ المشروع , المهم نفذنا المشروع و قدمت الخدمات للمعلمين , رضوا عن طيب خاطر أو كانوا مكرهين لتقديم الخدمات تحاشيا لسقوط و تذمـر مرتقب , و طلب منى أيضا متابعة إجراءات سكن الوافدين من المعلمين , و تحصيل رسوم اسمية مقابل ذلك , مع السعي مع الجامعات و المؤسسات الحكومية لتوفير بصات النقل لهم , و عملت بكل جهد و إخلاص , و ظللت أتابع هذا العمل سنويا , إلى أن جاء 24/5/1981 و النظام القائم آنذاك بدأ احتفالاته بذكرى الخامس و العشرين من مايو الأغر كما كانوا يسمونه و يصفه الأرزقية و النفعيون و المنافقون , و إن كان للخامس و العشرين من مايو الأغر عام 1973 ذكرى عزيزة و غالية تمثلــت فى ولادة ابنى الأكبر الدكتور إبراهيم  , كان يحضر الاحتفالات الرئيس المصرى آنذاك 1981السيد أنور السادات , شارع الغابة بالخرطوم كله دبابات و مصفحات و آليات ثقيلة للاستعراض بها صباح الغد فى الاحتفال المزمع إقامته على شارع النيل العظيم , و مسكين ذلك الشارع و مسكين النيل , فكم شهد من أمور و احتفالات مزعومة لعله كان و ما يزال مستنكرا لها ! و كان السادات و نميرى بالصالة الكبرى بقاعة الصداقة المعروفة بالسودان , يخاطبان الشعب السودانى الكريم , و مررت على سكن المصححين بمدرسة أم درمان للبنات و حاسبت السائقين عن البترول و أعطيتهم و أعطيت العمال ما يريدون من سلفة تحت الحساب كما نقول , أو خصما مما سيعطى لهم من حوافز فى نهاية المدة نظير خدماتهم الإضافية التى قدموها للمعلمين , و سرت بسيارتى فى طريقى إلى المجمع السكنى الثانى للمعلمين الذكور بعمارة الجامعة الإسلامية بالخرطوم جنوب , وجدت شارع الغابة مغلقا , لا مفر من أخذ الشارع الذى يمر من الناحية الجنوبية لقاعة الصداقة , و عطفت مع الدوار من شارع الغابة شرقا فى طريقى , و هنا تبدأ المشكلة , بل و ربما المؤامرة ـ من جانبى طبعا ـ أو قل المحاولة الفاشلة , و ياللعجب العجاب يا نزار !

     رأيت رجال المباحث , آسف , فشعر نزار قبانى يسيطر على تفكيرى , رأيت و أحسست أن كهرباء سـيارتى تختـل , كيف و لماذا لا أدرى , و لكنه الحاصل , توقفت السيارة رغم سيرها من قبل بصورة عادية جدا و مُعتـنى بها جدا و تمت صيانتها اليوم و تسابق الريح ! اضطررت بما تبقى لها من سرعة و تدحرج أن أخرج من الشارع جانبا .

   جاءنى كذا شخص , و اكتشفت أن كل من يصحب حسناء فى تلك الحدائق الغناء و يسيرون ببطء للتنزه و الفسحة و التمتع بنسيم النيل العليل و يبدوان كالعاشقين , هم فى الأصل من رجال و نساء الأمن و المباحث , و التفوا حولى فى ذهولى العجيب منهم و بهـم , و طبعا تصورت أنى أقدم لهم نفسى بأنى الشاعر فلان و مدير مدرسة ثانوية كبيرة و معروفة , قدمت خدمات حتى لرئيس الدولة النميرى و اتباعه ,  و سينتهى الأمر عند هذا الحد , و لكن …….

     زعموا بأنهم يشكون في و أن معى سلاح و علي أن أعترف قبل تفتيش السيارة و بعد ذلك إن اكتشفوا شيئا فسيكون الأمر فى غير مصلحتى , أجبتهم بهدوء بأن معى مسدس صوت مرخص , قلتها بكل اطمئنان , فالمسدس كما قلت مرخص و لا غبار علي فى حمله , بدأت الاتصالات بالكبار , ضبطنا شخصا يزعم ـ رغم رؤيتهم لبطاقتى الرسمية التى تحمل ختم وزارة الداخلية ـ أنه مدير مدرسة ثانوية , و غاظتـنى كلمة يزعـم و تماسكت , ثم طلبـوا المسدس وفحصوه و بدأ تفتيش السيارة تفتيشا دقيقا , و كان معى من الرسوم المتحصلة من المصححين ألف و مائتا جنيه سودانى , و كانت الرسوم للمعلم الذى يستغل السكن و النقل و يتمتع بالخدمات خمسة عشر جنيها فقط لا غير , المبـلغ كان كبيرا يومها , و كان الخلاف بين النميرى و رئيس دولة عربية بلغ أشده , مما جعلهم ربما ـ

المزيد


كراهيتى للمتنبى

أبريل 27th, 2008 كتبها حسن الأفندي نشر في , أدب, ثقافة, خواطر, مقالات ,

كراهيتى للمتنبى

 

 قلت فى الفصل الأول من كتابى ( ليالى الاغتراب بالتراي ستار ـ ج1) , على الرغم منى أن استشهد بشعر أبى الطيب المتنبى و معانيه العظيمة , و لى فى ذلك موقف و رأي , و تمنيت أن لو عرجت إليه , و هأنذا أعتبر ذلك وعدا وجب علي أن أوفيه مهما كان الحال و مهما كانت النتائج و الظروف , و أعلم أننى بذلك ربما أقيم الدنيا علي , و لكن .. فليقل عنى من يقول ما شاء لـه القول و العقل و الفكر , و ليستهجن من اسـتـهجن , أو يسخر من يسخر , و يرضى من يرضى , أو ينكر من ينكر, فسيان عندى فى هذا الموقف و هذا الرأي الثابت العتيد  : مؤمن و منكر :

أنام ملء جفونى عن شواردها        و يسهر الخلق جراها و يختصم

أقولها و أكتبها مؤمنا بما أقول , و لست كالمتنبى حينما قالها و هو يضع ألف حساب لرضاء كافــور الإخشيدى أو سيف الدولة الحمدانى علـيه , فلابد أنه اعـتنى بميميته تلك :

واحر  قلباه  ممن قلبه  شبم           و من بجسمى و حالى عنده سقم

و بدأها مستجديا ضعيفا مناشدا العناية , فكيف كان الكاذب ينام ملء جفونه بعد ذلك و هو القائل :

يا من يعز علينا أن نفارقهم          وجداننا كل شيء بعدكم عدم

إن كان سركم ما قال حاسدنا          فما لجرح  إذا  أرضاكمُ  ألم

و كان قد قرر الهجرة بعد أن ضُرب بيد سيف الدولة و فى مجلسه و أهدرت كرامته و شج وجهه ثم يرضى عن كل ذلك لإرضاء سيف الدولة !

   كرهت ذلك الرجل لأسباب أوجزها :

-       كانت تنقصه الكبرياء و عزة النفس و إن ادعاها

-       كان يقع فى كثير من المغالطات و التناقضات بين قوله و فعله

-       كان مادحا رخيصا ميكافيليا يؤمن بأن الغاية تبرر الوسيلة

-       كان مجرد شحاذ

-       كان بذيئا مسفا تتدنى ألفاظه و معانيه متى هجا

-       و كان ينقصه الإيمان بالله و بالرسل كافة , زنديقا , و لم يحل ديوانه ببيت واحد

يمدح خير البشر , رغم شعره الكثير و ديوانه العريض , و الرسول (ص) فى غير حاجة لمدحه , فالله تعالى مدحه فى الكتاب العزيز المعجز الباقى إعجازه أمام كل العقول و كل الأقلام و كل المعجزات البشرية .

    ولنضرب فى ذلك أمثلة قليلة تلقى الضوء على ما قلناه فى غير استطراد أو وقوف مطول , فما للمتنبى و لا عنه جئت أكتب ,ليس عن قصر يد و لكن كراهية لسيرة الرجل , و رغم نكوصه عن نبوته بعد أن ردعه سلطان الحكم المتمثل فى لؤلؤ أمير حمص الذى أسره , و لم يحل عقاله حتى استتابه عن ادعاء النبوة .

   وعجبى أن يأتى بكل هذه الحكمة فى شعره , و أن ينطق قوله عن خلاصة تجارب بشرية و إنسانية و كونية أصيلة و عظيمة , و ألا يستفيد من كل ذلك , فلئن قال  :

يدفن بعضنا بعضا و يمشى     أواخرنا على هام الأوالى

وقال :

نحن بنى الموت فما بالنا         نخاف ما لابد من شربه

   وقال وقال وقال , فماذا أعد لموته من صالح الأعمال ؟ وهل فكر فيما بعد الموت و تأهب لذلك ؟ وهل دعا إلى العمل الصالح و التمسك بالقيم الروحية مثلما فعل أبو العلاء المعرى , حينما دعانا إلى :

و صم رمضان مختارا مطيعا    إذ الأقدام من قيظ  رمضنه

بل عندما صقلته  التجربة و اختبارات الحياة الدنيا , سلك فيها طريق الخير و المثالية فى كل جانب و رقت نفسه حتى قال :

ولا تأخذ  ودائع  ذات ريش     فمالك  أيها الإنسان بضنه

   قلت لك كان إيمان الرجل ضعيفا مهزوزا مضطربا , و كانت غايته تبرر وسيلته , فلا يتحرج فى ذلك و لا يجد غضاضة , أن يمدح العربي و غير العربي , العادل و الظالم , الحر و المملوك , و الرفيع الأنساب و الأحساب  ووضيعها , ما دام يداعب خياله المريض أمل فى أن يصيب جاها و سلطانا وإمارة من ذلك الموقف , ثم يأتى من بعد كل ذلك ليقول :

أي  مكان أرتقى      أي  عظيم  أتقى

وقد اتقى بمدحه كل من يستحق و كل من لا يستحق , وأشفق من كل من لاقى من الحكام و الأمراء , ويستأنف :

وكل ما خلق الله      وما  لـــم  يخلـق

محتقر فى همتى     كشعرة فى مفرقى

والعياذ بالله , فقد خلق الله الرسل و الأنبياء فيمن خلق , فساء قولـه وشطت كلماته فأورثته الكفر والجحود والنفاق .

     ثم ألا تراه متناقصا مغالطا نفسه عندما يزعم أنه لا يتقى عظيما , ثم يمدح ويغالى فى مدحه لسيف الدولة وأبى العشائر وبدر بن عمار ومحمد بن زريق  وكافور الإخشيدى وغيرهم مما لا حصر لهم و يطرب للقاء كافور طربا فى مدح غير مقصود به الذم كما يذهب و يدافع عنه البعض , ويقينى أنه طرب أملا فى منصب أو إمارة ولم يكن تحت أي ظرف من الظروف يغلف ذمه فى قالب المدح و لم يرم إلى ذلك , بل تكلفه جعل الأمر كذلك , ملأ النفاق نفسه و الآمال صدره , فراح يكتب ما يستحسن و ما لا يستحسن, وإن ادعى هو أو غيره أنه كان يقصد الذم فى صورة مدح , بعد أن خاب أمله واضطر إلى الهرب من مصر بالناقة السودانية البجاوية التى ورد ذكرها فى قصيدة له :

ألا كل ماشية الخيزلى     فدا كل ماشية الهيذبى

و لعل هذا مطلعها فلا أذكره بالضبط , و لكنه من هذا الضرب من الشعر , يحاكى بــه مشية الناقة المسرعة ,مما جعل كثيرا من السودانيين يتعصبون له وقد ركب ناقتهم البجاوية على حد قوله , و مدح كافور بأجود و أرفع المعانى و أجملها , و كان يضع ألف حساب لذكاء و فطنة كافور و هو رهين بين يديه يمكن أن يفعل به ما يشاء , و ليس أدل على فطنة و ذكاء كافور من أن يصبح أمير مصر بعد أن كان مجرد مملوك , فلا يملك المتنبى من الشجاعة ما يرد به عن نفسه إن فطن كافور لذم مستتر , بل و لماذا يكون الذم مستترا؟ ألا ترى فى ذلك جبنا و عدم قدرة على المواجهة و هو الذى يدعى لنفسه من الصفات البطولية ما يدعى ؟ كان يمدح و يرمى إلى المدح فقط , و إن كان مدحه فى هذا الموقف سخيفا ممجوجا .

   ثم ماذا تقول و ما تبتغى برجل يجعل مع الله الخالق القادر أندادا و أربابا  , فبدلا من أن تتعوذ به من الشيطان الرجيم , عليك أن تتعوذ بمحمد بن زريق! بل و تلوذ به لدرء عاديات الزمان , كما أن قصة عاذر الإسرائيلى الذى أحياه الله بدعاء سيدنا عيسى عليه السلام معجزة لـه من معجزات يهبها الله رسله , تمكينا لهم من تقديم الحجة والدليل على صدق رسالاتهم , كان من الممكن ألا تتم تلك المعجزة لو أن رأس عاذر قد قطعت  بسـيف ابن زريق , وكأن موسى عليه السلام شق البحر وجاوزه بقدرة محدودة منه لا بقدرة مطلقة عظيمة من الله عز و جل , وسبحان الله فكأنه لم يقرأ فى كتاب الله ولو من باب الثقافة , فقد روي أنه لم يقرأ القرآن تعبدا قط , ولم يسمع عن معجزة سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام الذى آمن بربه و أراد أن يطمئن قلبه فيعــرف كيف يحيى الله الموتى , وكأن قدرة الله الحق محدودة فى نظر المتنبى أمام أمثال محمد بن زريق , تعجزها بعض المواقف و عظمة ممدوحيه و لا حول و لا قوة إلا بالله :

لو  كان  ذو القرنين  أعمل رأيه       لما أتى الظلمات صرن شمو

المزيد


وقفات قصيرة

أبريل 27th, 2008 كتبها حسن الأفندي نشر في , أدب, ثقافة, خواطر, مقالات ,

وقفات قصيرة

   الأولى : مع الشاعر القائل :

و لم أر مثل الفقر أوضع للفتى      و لم أر مثل المال أرفع للنذل

و لم أر عزا لامرئ  كعشيرة       و لم أر ذلا مثل ناء عن الأهل

و الثانية : المنى الكاذب أيضا لشاعر لا أعرفه :

إذا تمنيت عشت اليوم مغتبطا       إن المنى رأس مال للمساكين

أجل , فكم من ليلة يستلقى المرء على ظهره , طالقا عنان بنات أفكاره و خياله و أحلامه و مراميه , و بالقطع لن تكون أحلام الجائع إلا صورة بحث أو ركض للحصول على الخبز أو ربما ربما أحيانا مائدة دسمة , فيصور و يتصور فى داخله حاله على ما يرضى و يهوى , فتطيب نفسه و لو إلى حدما ووقت ما , ترقص مشاعره و دواخله فرحا و تهللا و غبطة , و سرعان ما يرده الواقع المرير إلى دنياه الحقيقية , خصوصا إذا لذعه شيء من الجوع المحسوس , فيعاوده اكتئابه , و يصحو من غفلته , ليطبق عليه حزنه القديم من كل صوب و جانب , فيعيش أسيره المكبل به , ينطبق عليه قولهم : عين بصيرة و يد قصيرة .

   يخيل إلي أن هناك جذبا مغناطيسيا للمال و الأموال تجاه الأثرياء  و الموسرين, بسعي منهم أو بدون سعي , و يخيل إلي أن أحدهم لو رمى بقرش واحد فى بحر متلاطم الأمواج مثلا , لحملته سمكة كبيرة ضخمة ثقيلة الوزن , و خرجت به إليه لتقول لـه : هذا قرشك سيدى ! و ببساطة يأخذ السمكة و القرش معا , ليبيع صيده لأقرب عميل بمائة جنيه فقط لا غير , فالسمكة كبيرة و سمينة و ذات وزن و لحم و شحم و عظم ! و هكذا تضاعف و يتضاعف القرش آلاف المرات , بينما يسعى البعض ممن خبروا الفقر و خبرهم ـ من أمثالى طبعا ـ طلبا للرزق و لو على رؤوس الجبال , حتى يصلوا إلى أقصى الأماكن التى يمكنهم وصولها , و يعودون بخفي حنين , و لا يغيرون من واقعهم شيئا يذكر . و الحمد لله فى الأول و الآخر:

سبحان من قسم الحظوظ فلا عتـــــاب و لا مـــلامة

أعمى و أعشى ثـــم ذو بصــر  وزرقــــاء اليمامة

ورحم الله اليزيدي . ولكنى أكره قول ابن الرومى , فهو لا يخلو من حقد طبقي مبطن , و شيء من التذمر , و إنى و الله برئ منه :

أنا لست دون الألىملكوا الكون   مـن شـــرطة ومـن كـتــّاب

وتجار مــثل البهائــــــم فازوا     بالمنى فى الروح و الأحباب

وقولــــه :

تبارك العدل فيها حين يقسمها     بين البرية قسما غير متفق

وما يدريه بحكمة الله فى ذلك , فلعلنا إن أوتينا مالا و حلالا ألا نكون من العابدين الصالحين , و تفضيل الله بعضنا على بعض فى الرزق , تعنى كافة ما يمكن أن يمتلك الإنسان , فهذا له ولد , و ذاك له مال , و آخر كاتب أديب على ثقافة وعلم , قد يتمناه أصحاب الملايين فلا يجدون إليه سبيلا , و منا من يزرق بالصيت الكبير الواسع و السمعة الحسنة و لكنه لا يملك قوت يومـه , و ها هو الرومي يخلد بموهبتـه و شعره بينـما نسي الناس , كل الناس , من كان فى زمان الرومي ذو منصب و جاه , و الله أعلم حيث يجعل الرزق و يوزع الفضل و الدرجات على عباده , كرما منه و منة نحملها على أكتافـنا , أو ليست الصحة رزقا , أو ليس العمر الصالح رزقا ؟ ( و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) . أجل :                حقا   حقا  حقا  حقا               صدقا صدقا صدقا صدقا           و بالمناسبة هذا لمن لا يعلم مثال يضرب لبحر المتدارك الذى توصل إليه الأخفش الذكي , فأكمل بحور الشعـر وأتــم ما فات على الخليل بن أحمد الفراهيدى , المشهور بعلم العروض و بمعرفته فقه اللغة العربية و قواعدها و ضلوعه المتميز فى النحو .

   أعلم أن السماء لا تمطر ذهبا و لا فضة , ولست أتمنى على الله الأمانى , وقد حاولت جاهدا أن أجر نفسى و تفكيرى إلى عالم الواقع , مبتعدا عن الخيال و الأمانى العِذاب الكذاب , وخوفا من أن يرى فى علم الطب النفسى نوع من الجنون بقدر يسير أو كبير لا يهم , المهم جنون و كفى , و لكننى رغم ذلك أجد نفسى و ذاتى و سعادتى فى أوقات أسرح فيها محلقا بأجنحة الفراش فى عالم التمنى !

   ولطالما امتلكت فى عالم الخيال الطائرة الخارقة المقاتلة المضادة لكل صاروخ متطور , أقودها بنفسى و أضرب بها أعماق إسرائيل الآثمة الأثيمة , ذات اليد المدنسـة بدماء الضحايا فى صبرا و شاتيلا , و أهدد بها الدول العظمى فتلتزم الصمت انزواء و خوفا , وأعيد للأمة العربية اسمها وكرامتها ومجدها و تاريخها المؤثل وماضيها المجيد , وأهيئ بها لقدرة الإسلام أن تسود مثلما كانت , ولعزة المسلم أن تسيطر عالما يسوده الغبن و الضعف والهوان شرقنا العربي وعالمنا الإسلامى , مثلما كانت تسود عدالتنا بالأمس القريب !

   ولكم ملكت المال بلا حصر ولا حدود , وملأت به جيوب الفقراء الخالية , و اشتريت به الفرش والغطاء لمن يفترشون الأرض ويلتحفون السماء فى ليالى الشتاء الباردة التى لا ترحم , ويظل مالى مصدر رزق لكل محتاج , وتجارة للعاطلين , ولقمة للجائعين , ودارا للمشردين , وفرجا لضيق المعسرين .

   وما أكثر ما نزل علي ملك يعالج آلام بدنى ويشفى مرضى , وينقى جسدى من كل داء , فأصبح قوي البنية و العضلات , ألقن كل متعجرف مكابر درسا لا ينساه , أحطم صلفه و غروره , و لمصلحة البشرية على الطريق السوي المحمود .

   الثالثة : صحبتى للشيخ حاج الماحى :

منذ طفولتى المبكرة شد اهتمامى و لفت انتباهى كثيرا ما نسمعه من مدائح نبوية من عجائز بلدتنا , خاصة فى أفراح الزيجات أو عند إقامة ولائم النذور بمناسبة ما تحققت فى أحد البيوت , و حفظت من ذلك المديح و الإنشاد ما تيسر لى حفظا سليما أو غير سليم , بفهم أو غير فهم , و ربما بفهم خاطئ , و لكنه تحت أي ظرف و حال , راقنى جدا و أسرنى , من ذلك : يا أخوي حليل الدرجوا , و أيضا :

يا رحمن ارحم بى جودك      دلى الغيث ينزل فى بلودك

وأيضا :

الليلة دوبا الليلة دوبا    يا أم قزاز العالى طوبا

وأيضا :

أم قزاز شامخ بناكى     جاب أمير الشام عباكى

و أيضا :

اليوم الحجاز لاح ضوا براقو     ذكرنى الحبيب زاد حبى مشتاقو

ورحت أنتظر قدوم الحجيج يوما بعد آخر إلى بلدتنا سنويا فى موسم الحج , لأضيف من المادحين قصيدة جديدة على نحو :

صلا و سلام لى محمدا     خاتم الكرام سيدى أحمدا

و بالمثل :

صلا و سلاما على نبي       ضنانى شوقه و شوانى شي

و لست أنسى على وجه الخصوص :

شوقك شوى الضمير      بطراك  مناي أطير

                     أنا حبه  من   صغــير      بريــدك يـا البشــير

وذلك لأنها تضمنت فيما تضمنت من أسماء و قبائل وبلاد اسم بلدتى أرقو , داعية لها ولأهلها بالخير والسعادة يوم القيامة فالأبيات :

لا تنس الجابابـير          فى أم قسى التحاجير

                     عربان الهـواويـر          لا أرقــو و الحفـــيـر

و أبريم كنوز و الدر        ما يشوفـوا زمهرير

فى زفة الوزير

ولعلك تجد كل العذر لغرير يطرب لشاعر يشمل بدعوات الخير والصلاح أهله وبلده , فيتعصب لـه كل التعصب , و يطرب كل الطرب و ينحاز إليه دون رصفائه و إن أجادوا أو لم يبلغوا قدره و مستوى علمه و شعره , و هذا ما أرجحه يقينا , و يميل إليه أيما ميـل , و إن لم يدرك بعمق ما ورد من معان فى قصائد الشاعر حينذاك , و الغريب فى الأمر أنه لم يكن يعلم عن الشاعر شيئا من اسم أو سيرة , و لكنه رغم ذلك يجله و يحبه كثيرا .

   و انشغل هشام بالدراسة و المدارس سنوات من العمر , ثم اضطر إلى السفر إلى مدرسته الثانوية بشمال أم درمان , فالمدارس الثانوية لم تكن تزيد على ثمان مدارس و لكنها جيدة التهيئة و الإعداد و ربما تكوّن المدرسة الثانوية الواحدة مدينة كاملة مزودة بكافة الخدمات و الميادين و الحدائق و كل شيء حتى أحواض السباحة , و شد ما آلمنى أن تتحول مدرستى الثانوية إلى كلية عسكرية , قال هشام متأثرا , ثم أكمل دراسة المرحلة الرابعة الجامعية بأم درمان واستقر بنفس المدينة , وأحبها .

   وفى مطلع السبعينيات , و لما لم يجد هشام برنامجا  مسليا فى التلفاز , فقد لجأ إلى الراديو , حيث وجد من إذاعة أم درمان سهرة الجمعة و كانت عن المدائح و بالتحديد عن الشيخ حاج الماحى , الله ذكرى تستيقظ من نوم و بعد تآكل و قدم , سمع أحفاد الشيخ ينشدون مدائحه , فأعادوا إلى الحياة حبا دارسا منقرضا فرضته ظروف و انتهت , و أيقظوا شوقا كامنا دفينا , و فرح هشام و سعد ليلتها و عانق الماضى البعيد القريب , بدأ يسجل : القبة النخيلا مشتى , طال شوقى يا جلاس , التمساح , ذكر بها ما نسي , و منذ ذلك الوقت , ظل شديد الحرص ثانية لمتابعة مدائح الرجل و سيرته  , يسجل و يحفظ و يقضى معظم وقت الفراغ مستمعا للأصوات التى كان يحبها و عاد يحبها بشغف أكثر  , خصوصا و أن أحفاده كانت لهم أصوات تجذب و تعجب , و طريقة أدائهم تغرى بالمرء للاستماع فلا يمل و لا يستطيع أن يتحول عنهم إلى موضوع آخر , إلا إذا انتهوا من إنشادهم . قال هشام : لا أدرى , فأنا أرفع صوت المسجل إلى أعلى درجة , فهل سمع جارى و علم بوجدى و حبى و ميولى أم انزعج من الصوت العالى فأراد أن يخفف مما يلاقى من إزعاج و يشغلنى بمطالعة ديوان الشيخ بدلا من الكاسيت , عموما فوجئت بجارى العزيز الأستاذ محمود مصطفى الطاهر , و كان رئيس إحدى الصحف السودانية فى فترة سالفة , يقدم لى هدية غالية جدا , هي ديوان الشيخ حاج الماحى , ذكرى لا يمحوها عن ذاكرتى وقلبى إلا الموت , و رحم الله جارى العزيز , و نفعه بأحسن مما عمل حسنات و جنات و رضوانا .

   سعدت بتلك الهدية كثيرا , و أصبحت لا تفارقنى فى الحل و الترحال , و أشهد أنى وجدت فى هذا الديوان متعة عقلية و روحية لا تحدها حدود , خاصة فى ليالى الإغتراب , و ما يزال فى صحبتى و طي جفونى , و من محاسن الصدف أن الذى قام بجمعه وإعداده و تحقيقه صديق قديم لى , هو الشاعر عمر الحسين , ربطت بيننا ليالى نادى الشعـر بمعهد المعلمين العالى .

   والديوان هو المجلد الثامن عشر من سلسلة دراسات فى التراث السودانى قدمته شعبة أبحاث السودان بكلية آداب جامعة الخرطوم فى سبتمبر 1972 , ولعلك عندما تسمع أو تقرأ سلسلة دراسات , يتبادر إلى ذهنك مفهوم أو معنى الدراسة بكل ما تحمل من أبعاد , و لكنك حين تتصفح المجلد , تجد أول سطر في مقدمته يقرر أن المقدمة ـ حسب ما فهمت ـ ليست دراسة لشعر حاج الماحى , وتقلب باقى صفحات الديوان فتتأكد أن الجهد كان جمعا أو تحقيقا لأصول النصوص  الشعرية , وليست دراسة لذلك النبع القيم الثر الينبوع المتعدد المحاسن والمعانى, و قد كنت أتمنى أن لو وجد القارئ بجانب النصوص بعض المساعدات التى يجدها فى فهم الألفاظ , بعض المساعدات لفهم كثير من المعانى و القصص التى زين بها الشيخ قصائده . وليس ذلك الأمر بالمستعصى , فالكتب التى تناولت سيرة المصطفى (ص) كثيرة متعددة , كان يمكن الرجوع إليها حتى تكون الفائدة أعم وأشمل , وقد كان ذلك أمر ضروري تمليه الحاجة إلى الفهم على أقل تقدير , فشعر الرجل دسم و عميـق , ولحين أن يمكـن الله صديقنا الشاعر عمر الحسين إصدار دراسته المستفيضة لهذا الديوان كما وعد فى نهاية مقدمته , تظل الحاجة قائمة لها .

   وعلى سبيل المثال فقط , اقدم بيتين من قصيدة ( لى المحبوب فوق مطايا) , و هما كما وردا بالديوان :

أيضا شوفوا الحكاية       فى تسبيح الحصاية

                      يا من ليكـــن درايـة        قصـة جابـر كفاية

ولعل أول ما يتبادر إلى الذهن السؤال عن فحوى قصة جابر هذه التى وردت و استشهد بها الشاعر . ولقد وقفت حائرا أمام الموقف والمعنى سنوات من العمر , لولا أن ليالى الإغتراب , هيأت لى فرصة الإطلاع على عدد من المراجع الكبيرة فى مختلف ضروب المعرفة و العلم , و يسر الله لى أن أجد فى هذه المراجع قصصا كثيرة متنوعة عن إعجاز الرسول (ص) التى حباه الله بها , فمن شكوى الغزال إلى تسبيح الحصى إلى ما صاحب هجرته الكريمة من مواقف كثيرة إعجازية , إلى تفاصيل عن الإسراء و المعراج , و إلى معجزات لا تحصى و لا تعد , و يهمنى هنا أن أروى شيئا مما تعرض له البيتان دليلا قاطعا على عمق ما يتمتع به شيخنا العالم الجليل من ثقافة ضاربة فى العمق .

   روى الصحابي الجليل أبو ذر قصة تسبيح الحصى بكف الرسول (ص) على مشهد و مرأى من أبى بك

المزيد


التالي