*
لقاء حواري مع الأخ الكريم
حسن الأفندي
*
علـــمـتـنيالحـــيـــاة ألا أغـــالـي
فـــالمـغـــالاة شـــيـــمـةالأنـــذال
*
علمتــــني الحــيـــاة ما مـن تـراخٍ
رغــــم أن الحــــــيــاة دارُزوال
*
علمتني الحـــــياة مــــن يتمـــادى
فى ضلال أصاب ســـوءضـلال
"عَلَّمَتْنِي الْحَيَاةُ"
شعر
حسن الأفندي
* حاوره :
د. عبدالفتاح أفكوح - أبو شامةالمغربي
aghanime@hotmail.com
قبل أن أبسط أسئلتي الحوارية شامات على جبين هذه الصفحة المربديةالمشرق، أستهل علامات استفهامي بالحروف التمهيديةالتالية:
بعد إهدائك حروف هذه الدعوة إلى هذا اللقاء الحواري، وقبل أن أرسلأسئلة هذا اللقاء محلقة بأريج زهرها الباسم، وشذا ورودها السنية في أرجاء هذاالرياض المربدي البهيج السني، أستهل هذا المقام الحواري الأزهري بالبدءالتالي:
للحرف العربي العتيق نبضجميل
لهذا الكائن اللغوي الحي أصوات، وأصداء، ونبرأصيل ثم كيف بألق الخيال؟وكيف بطعم الواقع؟
أحقا لن تفيد الكلمات المخطوطة والمسموعة في شيء يسير أو كثير؟
وكيف بالإنسان إذ يسير في ركاب الحق والخير، وقد نأى بنفسه بعيدا عن الباطل والشر، وتبرأ من شرورأهوائه ومن متاهات العبث، ومن كل أمر هزيل؟
ثم كيف بحال المرء إذ يسعى وحيدا في القيظ، يمشي ويمشي ثم يمشي غريباً لا يريد إلا الإصلاح ما استطاع إليه سبيلا،وينادي بكلماته وبأعلى صوته في قومه الرحيل الرحيل؟
*
وبعد …
جميل ما قرأته لك أخي الكريم حسن من نبضات شعرية صادقة…
جميل جداً ما رأيته في عيون حروفك من سناء وبهاء …
جميل حقاً ما تخطه وتحرص من خلاله على إشراك أهل المربد الزاهر في النفاذ إلى جوهره بالقراءة…
تعليق على مقدمتك قبل البدء على الإجابة على الأسئلة وما قبل الأسئلة :
لابد من التأكيد على أنني طالعتها لعشرين مرة , فأحسست بانبهار بما تضمنته من رفيع المعاني وعظمة الكلمة المعبرة , ولا أخفيك سرا أنني تهيبت وأنا أقرأها ويزداد تهيبي بإعادة مطالعتها , فكيف يتسنى لشاعر فقير مثلي أن يصل إلى مثل هذه الذروة فى إجاباته , خاصة وأن العمل الإداري الذي وجدت نفسي مقحما فيه منذ سنة ست وسبعين وتسعمائة وألف , قد أثر كثيرا على أسلوبي , وأنت من تدرك تماما معنى الخطاب الإداري , كما أن ما عشته منذ بداياتي الأولى من حياة قاسية وطفولة لم تعرف معنى الترف ولا حتى الكفاية , كان لها تأثيرها التكويني الغليظ إلى حد كبير ,انعكس على كتابابتي جفاء وجفافا وتصحرا , ولعل أحد فصول كتبي (دنيا الخوف) قد تعرض لتلك الظروف التي أحاطت بطفولتي , فتركتني ممتلئا خوفا حتى من العوامل الطبيعية الموسمية إلى السفر بالطائرة وأزيزها المرعب , رغم أن الاغتراب قد جعل مني ذلك العاطفي البكّاء , إلا أنه لم يفلح فى صقل مواهب البداوة والحرمان والشدة والمعاناة التى نشأت عليها وترعرعت.
سؤال قبل الأسئلة
إذا سأل أهل المربد الأزاهر: من هوحسن الأفندي جملة وتفصيلا، فبما عساك تجيبهم شعراًونثراً؟
أما النثر فلا غنى لي فيه وتمتلئ به المواقع , ولكني ومن رصيدي الشعري أقدم نفسي وعلى غير العادة التي جرت تتناول تاريخ ومكان الميلاد والمراحل الدراسية :
· الفقر ولّدني مشاعر ثورة
والموت أفحمها فلم تتدللِ
· خلّفت قلبي خلف كل جميلة
وسهرت ليلي والجوى يكويني
· أنا من نسل من ملكوا القوافي
وجدي جندح من صلب حُجر
فقولي كلهُ شعر وغيري
من الشعراء مفضوح بذكري
إذا جلس الرجال بذلت مالي
وما حفظت يداي ببعض وفر
كأني عروة بن الورد فيها*
وإن ظن الجميع فساد أمري
فإن أمدد يميني يوم ضيق
لمحتاج يسر رضاه صدري
وإن تعجز ذراعي عن نوال
أقام الحزن في قلبي وحِجري
*إشارة إلى بيته :
أفرّق جسمي فى جسوم كثيرة
وأحسو قراح الماء والماء بارد
· وما من عادتي ذم البرايا
ولكــــن الخـــــبايا ذات قال
أجوّد ذم أعــــــدائي فإني
على الأعدا أشد من النصال
خلقت لأركب الصعب المجافي
فما عيش الوداعة من خصالي
ولم أملك كـــــنوز المال إني
ملكـت كـــــنوز علم واختيال
وهـــــل كرّمت يوما ذا ثراء
وقـد ذلّت لذي علم عوالي
· كفي يعاتبني يا شيخ إن رغبت
نفـسي مساعدة يثور يتهم
أني غدوت دنيئا في طبائعه
وكان كفي بفعل الخير يلتحم
· ما طأطأت رأسي بقولة باطل
أبدا ولم أنطق بغــير لساني
· أانساه هل فى ذاك رد جميله
وذكرى بجيدي ألزمتني وفائيا
فما صرفت عني الليالي خياله
وإن كان طبع الآدمي التناسيا
أحاسيسنا ليست لنا بمدينة
نُســــيّرها أنى نشاء المناحيا
هو الموت لغز غامض عز وصفه
لعلك بعد الموت تدرك خافيا
ولهاجس الموت الذي لازمني قرأت كل ما كتب عن الحياة البرزخية وعالم الروح والجسم الأثيري وما يتصل بهذا أو ذاك من قريب أو بعيد, وصدق الجواهري عليه رحمة الله :
على أني بأن يطوى غد طول السرى وجِل
· وشعري يزدحم بالكثير الذي يقدمني بصدق للقارئ الكريم , مما لا يتسع له الوقت والمقام وإن ملت إلى أبيات لها على الأقل الصدى الأقوى فى نفسي.
سؤالي الأول
كيف ترى اليوم من خلفوا أهل العربيةالقدماء؟تراهم أضاعوها واتبعوا ما لاترجى فائدته؟أم أنهم حفظوها وقدروها حق قدرها؟ثم كيف هو حال الشعر العربي المعاصر؟
كان العربي ذا حس فني عال وذوق أدبي مميز حقا, حتى إذا أخطأ أحدهم خطأ محتملا فى تلاوة قفلة آية قرآنية مثلا , يجد من يقول له : ليس هذا بقرآن ولا يمكن أن تكون الآية هكذا .
وأين مني الغداة نجد ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
وكنت أود الاكتفاء بقول لبيد :
ذهب الذين يعاش في أكنافهم
وبقيت فى خلف كجلد الأجرب
ولكني أجد نفسي وإنصافا لبعض الأعمال هنا وهناك وبعض الأخوة أيضا هنا وهناك لابد من وقفة فيها شيء من التفصيل المختصر المفيد .
فاللغة العربية تعاني من محنة في أهلها وبين ظهرانينهم , فأين لأهلها بالوقت للقراءة والمطالعة والمعرفة وهم يصرفون أوقاتهم فى الاستمتاع بفضائيات هدامة ,وألحان ومعان هابطة حتى وصل بنا الحال إلي ( وبحبك يا حمار ) والعياذ بالله , وذلك الذى غنى : بحب عمرو موسى وبكره شارون , ثم تساءل : إلا شارون دا شغال إيه ؟ لم يحافظ على العربية إلا القلة النادرة , وساءني أن تعقد ندوة على إحدى الفضائيات العربية للدفاع عن اللغة العربية والدعوة للمحافظة عليها , وإذا بمشارك منهم لا يميز بين اللُغويين (بضم اللام ) واللَغويين (بفتح اللام ), ناهيك عما يرد من أخطاء إملائية ونحوية على كل فضائية مما يزكم فعلا الأنوف ويجعل المرء في حيرة من أمره , واستمعت مرة لأحدهم من المشاهير الذين يملأون الفضائيات وله شهرة تطبق الآفاق ليقول : كان في العصر الأُموي !! وكأنه لا يعرف أنها من النسب المستثناة التي ترد فى مقدمات القواميس , إذ أن صحيحها هو العصر الأَموي بفتح الهمزة لا ضمها , وآخر ممن يديرون المسابقات الأدبية والثقافية يسأل عن بيت البوصيري الشهير :
أمن تذكر جيران بذي سلم
مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
ويتحدث عنها بكل ثقة وجرأة وبوجود وزير الثقافة والإعلام ببلد الفضائية المضيفة بأن البيت من بحر الطويل لمجرد أنه نظر إلي ( أمن ) فتذكر فعو وأكمل على هذا, بينما طلاب المدارس يعرفون بأن القصيدة من بحر البسيط وبها خبن وأولها ( متفعلن) .والرجل دكتور وله شهرته بكل اسف .
رغم ذلك , فأنا أقر وأعترف بوجود فحول فى عالم اللغة والشعر , ولكن الإعلام لا يعطيهم حقهم ولا يتيح للأحياء منهم فرصة إفادة المستمع وكل منا يعلم أن الإعلام تحكمه العلاقات الشخصية والإنتماءات والاعتبارات السياسية وعدد غير قليل ممن يقومون على العمل والإدارة بالفضائيات هم أنفسهم لا يميزون بين الغث والسمين , كما أن ظاهرة ما يسمى بالشعر النبطي أو الشعبي , نشطت ولعبت دورا هداما فى مجال اللغة والشعر .
أضف إلي ذلك معاول الهدم الأكثر إيلاما , الحداثيون فى غير معرفة ولا دراية , أنا لست ضد الحداثة ولا ضد التجديد , ولكني مع الذي يقوم أو تسنده أسس ومقومات ترقى بالعطاء وتجوِّده , فنزار قباني رحمه الله إن كتب بالعمودي أقنعك وإن كتب بشعر التفعيلة أقنعك وأطربك وكذلك شاعرنا السوداني المرحوم صلاح أحمد إبراهيم , أما أن يعتقد معظم الحداثيين أن التجديد هو التحلل من القافية والوزن وفهم الرمز على أنه الإفراط فى الغموض بحيث لا يفهم أحد مما قال شيئا بحجة أنه يكتب للنخبويين والصفوة !!!! فأمر غير مقبول ولا مهضوم , وأتحداهم أن أن يكون هؤلاء أنفسهم يفهمون معنى حقيقيا لما كتبوا !!! إن هي إلا عقد نفسية يتقيؤونها وإن هي إلا تبعية نفسية وأدبية للغرب الذي لا يعلمون عنه أنه تعلم عنا القافية وأخذ منا الكثير . بهم أحيانا أذكر الكيفية التي برزت بها للوجود لفظة ( رجعية ) كما يريها المازني , وكأن اللغة العربية أقفرت حتى راحوا يطلون علينا بألفاظ إنجليزية كالإنتلجنسيا مثلا وهم أيضا لا يعرفون أنها دخلت القاموس الإنجليزي بوساطة سواد الشعب وعاميته مثلما أصبح لفظ الخنفشار جزءا من القاموس العربي بفعل لعبة ومزاح أو قل مكيدة لأحدهم من أدعياء العالمين العارفين بكل اللغة العربية ومفرداتها :
لقد عقدت محبتكم بقلبي كما عقد الحليبَ الخنفشارُ
عموما أهدي لتلك الفئة من هردبيس ودردبيس وعلطبيس , قول الرفاعي عليه رحمة الله :
أيها الناطقون بالشعـر حراً ولكم بــه دعـوة طنانه
اسمعونا إن استطعتم قريضاً لا حديث جالس في حانه
ليس شعراً وإنـما هو شيء فوقه الشعر رتبة ومكانـه
إنما الشعر ما تدفـق عذبـاً في بنــاء فأحكموا بنيانه
ليست الفكرة الجديـدة تأبى عرضها في جزالة ورصانه
لا تحيطوا تراثـنـا بلهـيبٍ في غد تكـره العيون دخانه
ومما يجدر ذكره أن العرب عرفواالرمز منذ القدم , لكنهم وظفوه بصورة راقية ترقى بالمعنى والأسلوب , وكثيرا ما أضرب مثلا بأبيات عوف بن محلم الشيباني عندما خاطب سمو الأمير محمد بن الطاهر :
يا ابن الذي دان له المشرقان
طرا وقـــد دان له المغربان
إن الثمــانين وبلغــــــتها
قد أحوجت سمعي إلي ترجمان
وأبدلــــتني بشطاط انحنا
وكنت كالصعــــدة تحت السنان
فـقـــــرباني بأبي أنتــما
إلي وطني قبل اصفرار البنان
فاصفرار البنان كناية عن الموت , وهذا هو الرمز.وخذ للرمز مثلا آخر هو قصيدة أبي فراس الحمداني لسيف الدولة :
أراك عصي الدمع شيمتك الصبر
أما للهوى نهي عليك ولا أمر ؟ ألخ وتأمل …….
وأرجو ألا أكون قد أعطيت صورة قاتمة لما يجرى فى عالم اليوم , ولكني تحدثت عن السواد الأعظم ,إذ أنه هناك ومضات متميزة هنا وهناك فى كل قطر عربي ولا يختلف اثنان مثلا على الجواهري ولا على الكثيرين من شعراء متفرقين على عدد من البلدان العربية ,منهم من هو على قيد الحياة ومنهم من قضى نحبه ولم يجد من الإعلاميين المتخصصين في صناعة النجوم لتلميعهم وتقديمهم للمستمع العربي فلا أعتقد أن أحدا يعلم شيئا عن شعراء السودان الفحول الذين خطوا أروع وأعظم الأشعار , وهم كثر منهم أحمد محمد صالح والمحجوب وعبد الله عبد الرحمن وعبد الله البنا وعبد القادر إبراهيم تلودي وعبد الحميد العباسي وهلم جرجرة , معتقدا أنه حتى التيجاني يوسف بشير لم يعط حقه كما يجب , فقد ولد وعاش ومات فى نفس التاريخ والعمر والمرض مع أبي القاسم الشابي وكان فلتة شعرية وأدبية متعمقة وعظيمة ولولا جهود بعض الإخوة الكتاب المصريين الذين أصدروا ديوانه وكتبوا عنه كتابين يحللان رقة وجمال شاعر الجمال , ربما لم يكن ذكره ساريا عند النخبة العربية فقط حتى الآن !
منوها بشدة إلي ما يشهده المغرب العربي من طفرة عظمى فى كافة مجالات الثقافة والأدب والشعر , مع اعتقادي بأن الشعراء الموريتانيين تقليديون إلي حد بعيد , بينما الشعر أنفاس وروح مع الإتيان بما هو مبتكر جذاب يهززك عند سماعه . فالشعر شعر وغير الشعر ليس بشعر حتى وإن طبل أصحابه وزمروا وإلى قيام الساعة.
سؤالي الثاني
هل بلغ النثر العربي اليوم بعضاً من ذروته قديماً؟ وهل أخذ المكانةاللائقة به في عالم الأدب الراهن؟
أية ذروة تعني ؟ وهل من الممكن ذلك ؟ فقط القلة ممن أثروه بما كتبوا وظلوا منارة علم ووعي وثقافة حتى ماتوا , وإذا كنا نتحدث عن عالم اليوم فباستثناء البروفيسور عبد الله الطيب عطر الله ثراه لا نجد إلا الندرة ممن يملكون ناصية اللغة والتبحر فى علومها وسيرها وأخبارها ومكنوناتها , ففاقد الشيء لا يعطيه , ومعظم كتابنا تجلس إليهم أو تلتقيهم عبر السماويات فتقول فى نفسك : خير لك أن تسمع بالأصمعي من أن تراه ! فعلمهم ليس راسخا كما كان الأولون وكما ظل عبد الله الطيب مثلا . ولكني أكتب مستدركا أن للرواية والقصة العربية الحظ الأوفر في الجودة والإبداع فى العصر الحديث عامة فى مجال النثر من بعض الكتاب المعروفين والذين رحل عنا معظمهم وآخر راحليهم كان الطيب صالح يرحمه الله, وإن كنت أعتقد أن النثر غير مختصر على الرواية والقصة فقط .
سؤالي الثالث
هل ثمة بالفعل أجناس نثرية وشعريةعربية، أم أنه الشعر والنثر وكفى؟
نعم , فالإنسان ذلك الكائن الحي المتفاعل مع من وما حوله له قدرة سلوكية تمكنه من اتخاذ مواقفومسالك مبتكرة لمواجهة واقعه وما يحيط به , وتفاعله وصراعه الدائم مع الواقع بكل أبعاده , ويرى الباحثون ومنهم الأستاذ صادق مجبل الموسوي الذي كتب مقالا مطولا عام 2005م وأتفق تماما مع ماذهب إليه وأكاد أجزم أنه كتب نفس ما كنت سأكتبه ونفس رؤيتي ولكن الرجل كفاني مؤونة الكتابة فى هذا الموضوع وأكتفي بتقديم أجزاء من مقالهالذي أحتفظ بنسخة منه ضمن مختاراتي :
أن الإنسان مرتبط أوثق ما يكون الارتباط بأربعة أبعاد في حياته ,
1 - ذاته الفردية وكيانه الخاص.
2 - جماعته الخاصة والعامة التي تتسع حتى تشمل الإنسانية عامة، بعد عشيرته ومجتمعه الوطني والقومي.
3 - الطبيعة بكل ما تضمه من أحياء ومظاهر وخفايا وعناصر، لأن الطبيعة مكون جوهري لحياة الإنسان.
4 - ما وراء الطبيعة، إذ يتجاوز الإنسان المحسوس إلى ما فوق مدركاته المباشرة، وهو مدفوع أن ينظر إلى عوالم أخرى بحكم عواطفه وخياله وعقله، وما أتت به الأديان من عقائد وعبادات وتشريعات وتوجيهات سلوكية، خاصة الإسلام الذي هو آخر دين سماوي.
وإذا نظرنا بإمعان إلى هذه الأبعاد الأربعة التي تحكم حياة الإنسان، ولو بدت منفصلة، فإننا نجد بينها في العمق، ترابطا وتداخلا، وهناك بعد خامس مكمل للأبعاد الأربعة، يتجلى فيما فطر عليه الإنسان من تطلع مثالي يحدو به إلى توخي الأفضل ونشدان الأرقى في كل ما ينجزه.
إذا حاولنا أن نطبق ما سبق على أسباب وجود الأجناس الأدبية، وما قد يعتريها من تغير وتطور، وظهور بعض الأجناس واختفاء أخرى سنجد :
1 - كل ما يتعلق بذات المبدع، نشأت عنه الأجناس الأدبية التي يعبر بها عن تجاربه الخاصة وهمومه وأفراحه، وخبراته ومواقفه وتأملاته واختياراته، ومن هذه الأجناس: الشعر الغنائي بكل موضوعاته وأبوابه، ومنها الأجناس النثرية كالأخبار الشخصية والخطابة والوصايا والرحلة، والمقالة الذاتية، والسيرة الذاتية والخاطرة ( أنثروبولوجي)، وهذه الأجناس تتسم بالطابع الذاتي وهو العنصر البارز فيها ويتيح لها أن تنتمي إلى هذا النطاق.
2 - كل ما يهم الواقع الاجتماعي بكل نواحيه المختلفة مما هو خارج عن التجارب الشخصية للمبدع، ويهم الآخرين في تعاملهم وسلوكهم وتصرفاتهم، وكل ما يقع بينهم من صراع وتصالح وتوافق، بمعنى آخر كل ما يتعلق بالحياة العامة الجماعية في نطاق محلي ووطني وقومي أو إنساني، نشأت عن كل ذلك أجناس أدبية، منها الملحمة والمسرحية والقصة والرواية والمقالة الموضوعية والسيرة الغيرية وكل الأجناس التي يعبر بها المبدع عن الآخرين.
3 - نظرا لمكانة الطبيعة في حياة الإنسان فقد نشأ عن ذلك أدب الطبيعة بأصنافه، وهو يضاف إلى الجانب الذاتي أو يحسب على الجانب المحايد الذي نشأت عنه النظرة العلمية، والغالب أن يتماهى أدب الطبيعة مع أجناس أدبية خاصة دون غيرها مثل الرحلة، وهي رهينة بالسفر وما يتخلله من حركة وسكون وإقامة وظعن، فالرحلة على هذا الوجه مرتبطة بالمكان على اختلاف المواقع والمشاهد، وكذلك بالزمن، وتتجلى الطبيعة في الفضاء الروائي، وفي مقالة وصف الطبيعة أو في شعر الطبيعة.
4 - بما أن الإنسان مادة وروح، مزود بالقدرة على استشراق عوالم الغيب، بما أودع الله فيه من طاقات تمكنه من الخيال، وتتحكم فيه عواطفه وميوله، كما له طاقات فكرية، لم يترك مع ذلك لأهوائه أو لقدرته الإدراكية العقلية والحسية، التي مهما بلغت، فهي محدودة، رأفة من خالقه به أرسل إليه الرسل وأنزل وحيه من أجل إسعاده في دنياه وأخراه، وفي هذا النطاق نشأت أجناس أدبية كالابتهال والمواعظ وأدب الزهد وأجناس الأدب الصوفي وأدب الحياة الأخرى. وقد تمتزج هذه الأجناس بغيرها، إذ أن حياة المؤمن عامة لا تنفصل عن الجانب الغيبي سواء تعلق الأمر بأجناس الأدب الذاتي أو الغيري. وقد تسخر أجناس أدبية لخدمة العقيدة والشريعة الإلهية بمقاصدها النبيلة الدنيوية والأخروية. إننا حين نمعن النظر فيما تقدم عن حياة الإنسان نجدها وحدة لا تنفصل في العمق، وإن بدت منفصلة في الظاهر. فالحياة الفردية مرتبطة بالحياة الجماعية والفرد والجماعة مرتبطان بالطبيعة وبما وراء الطبيعة والحياة الدنيا لا تنفصل عن الحياة الأخرى.
يضاف إلى ما سبق أن حياة الإنسان الدنيوية محكومة بالزمن الماضي والحاضر والمستقبل، أما حياته الأخرى فهي أبدية. والأجناس الأدبية محكومة بهذا المقياس الزمني والمكاني أيضا. فهي إما أن تتحدث عن ماض أو حاضر أو مستقبل أو تمزج بين هذه الأزمنة غالبا.
أما البعد الخامس المشار إليه فيما تقدم والمتجلي في رغبة المبدع في بلوغ الكمال وتحقيق المثال، فهي التي تدفعه إلى بذل كل جهد لديه لتحسين أي عمل ينجزه. إن تطلعه إلى أن يكون عمله في أعلى درجات الإتقان والإجادة، ظاهرة ملازمة واضحة عبر العصور، إذ أن إنجازات الإنسان لم تكن أول الأمر إلا بدائية وساذجة ثم سارت في سلم الرقي استجابة لنزوع مثالي في أعماقه. إلا أن ذلك محكوم بمتطلبات كل عصر ومثله وقيمه الجمالية والفكرية والدينية، فالإبداع في مجال العمارة مثلا وصل إلى درجة عالية من الضخامة والفخامة في فترات، وفن النحت حقق الذروة كذلك لدى اليونان والرومان، وفن الملاحم بلغ مكانة مرموقة لدى هوميروس وكذلك الرسم حقق أروع مثال في عصر النهضة وما بعده، وهكذا..
إن كل إنجاز فني يبدأ ساذجا ثم يتولاه الإنسان عبر عصور بالصقل والإجادة وضروب التحسين، ثم قد تطرأ عوامل تدعو إلى اختفائه أو دمجه في فنون أخرى، وهكذا نجد أن الإنسان عبر مسيرته الحضارية قد تنبه، سواء تعلق الأمر بأجناس الأدب المختلفة أو بغيرها، إلى أن وسيلته لتحسين إبداعه هو فحص ما أنجزه ليقف على مكامن الإجادة أو القوة أو مماثلة غيره، وكذلك ليعرف مواطن الضعف والتقصير والنقص. فتولد عن كل ذلك ما صار يعرف بالنقد الأدبي أو الفني كما تولد عنه تاريخ الأدب وتسجيل حياة أعلامه وكل ما يتعلق بدراسة الأدب سواء تعلق الأمر بقضاياه أو اتجاهاته ومذاهبه وخصائصه الفنية.
بهذا التصور العام للعوامل المختلفة والحوافز النابعة من أبعاد نفسية واجتماعية معقدة ومتداخلة، ندرك من كل ذلك الأسباب الكامنة والفعالة التي أدت إلى ظهور الأجناس الأدبية وتعددها، ومن الميسر أن ندرك من خلال ذلك- أن هناك أجناسا يظهر بعضها لم يكن له وجود سابق، وبعضها يختفي بعد أن كان له حضور قوي، وبعضها يتغير ويظل حاضرا، فالمقامة لم تكن موجودة قبل العصر العباسي ثم طرأت عوامل شتى اجتماعية وثقافية يسرت ظهورها وأعقبت ذلك عوامل استجدت وعملت على اختفائها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الرحلة إلا أنها ظلت حية مع ما لحقها من تغيير في الأدب الحديث. وفي عصرنا يعلم الجميع ما انتاب المجتمعات العربية من يقظة، وما جد من نظم ومؤسسات وآليات، وما وقع من تغيير في بنيات هذه المجتمعات واتصالها بثقافات أخرى، فاقتضى ذلك كله ظهور المقالة والمسرحية والقصة والرواية مجاراة لواقع بعلاقاته وتطلعاته الجديدة وثقافته.
لحصر هذه القضية إجمالا يبدو أن هناك ثلاثة عوامل فعالة في ظهور واختفاء وتغيير الأجناس الأدبية:
1-متطلبات كل عصر وقضاياه المختلفة.
2-التقاليد الفنية الموروثة والمستجدة.
3-القدرات الإبداعية للمنشئين وما لديهم من عبقرية ومدى استيعابهم للموروث وما لهم من تطلعات.
ـ القضية الثانية التي تعد من صميم نظرية الأجناس الأدبية، هي التي تتضمن الإجابة عن السؤال الآتي: ما أسس تصنيف الأجناس الأدبية؟
لقد تعددت الإجابات واقتراحات الحلول، منذ أن أفضى أرسطو بإجابته التي بناها على فلسفته الخاصة بالفن، فحواها أن الفن محاكاة للطبيعة والإنسان، إلا أن هذه المحاكاة تختلف أداتها باختلاف الفنون، ويتميز الأدب عن غيره من الفنون باتخاذه اللغة أداة له، ثم نجده يصنف الأجناس الأدبية إلى ملحمة وتراجيديا وكوميديا (وكثيرا ما ينسب إليه التقسيم الثلاثي المعروف الملحمي والدرامي والغنائي ثم أضيف فيما بعد التعليمي).
وقد بنى هذا التقسيم على أساس الموضوع وطريقة استعمال اللغة وأساليبها وصيغها ووظائفها. جل النظريات التي تناولت قضية تصنيف الأدب إلى أجناس لا تخرج في تفسير وتمييز هذه الأجناس وتصنيفها، عن النظر إلى الموضوع أو المضمون أو الأساليب والصيغ والبنيات الداخلية أوالطول والقصر والهدف.
لبيان ذلك بصورة مجملة يبدو أن القصيدة الغزلية تختلف عن المادحة أو الهج
المزيد